منذ زمن غير قصير زعم عدد من كتاب العالم ومثقفيه أن البشرية تتطور وتتقدم للأحسن، وزعموا أن الأديان مرت بتطورات متلاحقة وظلت تترقى حتى وصلت للمستوى المعروف، وهذا بناء على نظرتهم إلى أن الأديان جميعاً بلا استثناء ما هي إلا صنيعة البشر لا غير، وهي كما يزعمون محض عقول الحكماء وتجاربهم وتصوراتهم، ونتج عن دعواهم أنه إذا كانت الأديان إنما جاءت لتنقذ المجتمعات البدائية وتصلح شأنها فقد وصلنا إلى مرحلة من النضج تجعلنا نستغني عن هذه الأديان وطقوسها، وقد انخدع عدد كبير من الناس بمثل هذه المدارس الفكرية وأصبحت هذه الأفكار تروج في أرقى جامعات العالم وتسوق عبر الإعلام وظهرت مدارس متعددة فمنها العلمانية والليبرالية والحداثة وعشرات التصورات الأخرى، وإذا تفحصنا معنى الدين وما جاءت به الديانات وجدنا أن هذه المسميات ما هي إلا بدائل حتمية للأديان حتى لو زعموا أنها مجرد طرائق للتفكير أو النظر في ماهيات الوجود وإجابات للأسئلة الملحة ونحو ذلك، فإنها كما يعلم الناظر قد تجاوزت حدودها ودخلت في متاهات تعدّ من خصوصيات الدين كما يعرف المتتبعون لذلك، وقد قال الله تعالى: “أفرأيت من اتخذ إلهه هواه”، وقال: “أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله”.
هذه التصورات المبغضة للإسلام الحنيف، بدأت تعتسف الدين وتجعله رمزاً للقتل والذبح وقطع الرؤوس، وهذه الوحشية لم تكن نتيجة للتدين بل هي كوامن بشرية سبق وأن عرف التاريخ المكتوب كثيراً مما يشبهها، فقد ظهر الرومان والإغريق والفراعنة ومن بعدهم مثل التتار الذين لا ينتمون لدين سماوي بل عاشوا في أوحال الوثنية وفعلوا أشد مما فعل هؤلاء، وظهر في العصور المتأخرة المذهب الشيوعي الذي جزر الملايين من البشر بدون رحمة، ثم ظهر فكر نيتشه الذي أنتج أمثال هتلر، وعرفت البشرية خلال المئة سنة الماضية أعنف حربين في تاريخها حملتا اسم الحرب العالمية الأولى والثانية، أزهقت فيهما أرواح أكثر من عشرات الملايين من البشر، فليس غلاة أتباع الأديان هم المتهم الأول في سفك الدماء كما يظنون.
وأمام هذه الظاهرة العجيبة استطاع السفاحون أن يتعايشوا مع الإباحيين، فكيف يصدق العقل البشري الجمع بين النقائض؟ فالجيوش التي تجعل زواج المثليين حلالاً وتتفاخر بالفواحش وتروج للموبقات هي التي تدعي إنقاذ البشرية من الطرف الآخر المغرق في الوحشية المقيتة وسفك الدماء.
ومع مرور الأيام أصبحت البشرية قطيعاً من الذئاب الضارية، فالدول القوية تنتهك حقوق الدول الضعيفة وترسل عليها حمماً من أنواع الموت جواً وبحراً وبراً، وتفننت البشرية في صناعة الأسلحة الفتاكة وأقامت لها معارض عالمية وقنوات إخبارية تتابع المعارك هنا وهناك بكل احترافية!!، كما تفننت البشرية أيضاً في صناعة العري والخنا وإقامة معارضه وقنواته التي تتابع آخر الصيحات والمستجدات، وأصبح لكل طريق جمهوره ورواده وعشاقه، وأصبح الإنسان العادي يشاهد هذا الدرك الأخلاقي والإنساني بكل برود، فبإمكانه أن يشاهد قناة فاجرة متهتكة تعرض ما لدى أصحاب الفواحش من خزي، وبعد لحظات يشاهد لقطات الحرب والدمار والدماء والخراب في قناة أخرى، وكل هذه المشاهدات تتم وهو متكئ على أريكته في منزله بدون أن يجد في نفسه وخزاً أو هولاً أو فزعاً، فقد أصبح الأمر مألوفاً لدى غالبية البشر والناس!! وهذه هي دركات الأخلاق التي وصلنا إليها.
ولا بد أن يلاحظ الإنسان المسلم أن من أوائل القضايا التي ركز عليها القرآن الكريم هي ذم التعري ومدح الستر، وذم القتل ومدح العفو، وذلك يتضح عندما جعل الله أول نتيجة للخطيئة الأولى هي ظهور العورة لآدم وزوجه “فبدت لهما سوءاتهما” وقد مدح الله الستر بقوله “يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشا”.
وكان أول ذنب وقع على الأرض هو جريمة القتل بين الأخوين قابيل وهابيل وجعل الله الدفن إكراماً للإنسانية الكريمة ولم يجعل الجثث تلقى في الشوارع كما تفعل الحروب الوحشية اليوم ..
فأين وصلت البشرية اليوم من الدركات الأخلاقية والإنسانية!!