يروي ياقوت الحموي في معجم الأدباء أن عالما يئس من العثور على كتاب “النبيء والمتنبئ” للجاحظ، بعد أن مكث مدة يبحث عنه في كل مكان، واتفق أن حج في عامه ذلك فأجر مناديا في الموسم ينادي: “من يدلني على كتاب النبيء والمتنبئ”؟!
وهذه الحكاية التي أسوقها هنا لطرافتها، تنقل لنا وجها من وجوه الحج، وهو الثقافة، وربما ألفينا قصصا مختلفة عما للحج من سهم في نشر الكتب والثقافة والأفكار في طول العالم الإسلامي وعرضه، بل إن الحج إلى البيت العتيق كان لكثير من ديار المسلمين النائية بمنزلة الحبل السُّرِّي الذي يصل أهل هذه الناحية أو تلك بمركز الأمة وروحها، وتقفنا كتب التاريخ والتراجم والسير والفهارس والبرامج والأثبات على تلك الأفكار والكتب التي تبادلها علماء الحجيج في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة والمدينة المنورة، وعلى ذلك القدر الكبير من الإجازات التي عاد بها المحدثون والفقهاء من تينك المدينتين المقدستين.
كان موسم الحج بيئة لنشر الثقافة والأفكار، وربما لا يعرف كثير من الناس أن مجتمعات في جنوب الصحراء، أو ما يعرف، في الأدبيات القديمة، بالسودان الغربي، كان الحج والطريق إليها ضمانا لاستمرار الثقافة والمجتمع فيها، وكان الحج أقرب ما يكون إلى المدد الديني والاجتماعي والثقافي والسياسي لها، وما كان لهذا المذهب الفقهي أو ذاك ليذيع في صقع إسلامي أو آخر لولا الحج، فكانت الرحلة إلى الديار المقدسة والمرور بمجتمعات إسلامية مختلفة جواز انتماء إلى الأمة الإسلامية، وحبلا يصل الأطراف بالمركز، ويلفت النظر في مجتمعات جنوب الصحراء اليوم، أنها لا تزال تعيش على ذاكرة تلك الثقافة التي نمت وترعرعت بسبب الرحلة إلى الحج، ويدهشنا أنه في الوقت الذي أعرضت الثقافة في غير بلد من بلاد المسلمين عن روحها القديم - لا يزال تعليم العلوم العربية، ومختصرات الفقه، ومتون العلوم الإسلامية شاهدة على أن تلك المجتمعات لا تزال تحتفظ في واقعها وفي ذاكرتها الثقافية والاجتماعية بتلك الثقافة التي عمقها الحج والرحلة إلى البيت العتيق فيها، وربما وجدت في التمسك بها سر بقائها واستمرارها في التاريخ.
الحج والثقافة
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
