.. وحال الكفة الأولى من كفتي وزارة: (الثقافة...) – لا يختلف كثيرا عن حال الكفة الثانية: الإعلام، مما أسلفنا الحديث عنه هنا قبل أسبوعين- (الثقافة) المصطلح الجامع – عرفيا - لحقول العمل المعرفي: الفكري، والأدبي، والفني، وتفريعاتها النوعية، وإن كان المستقر في الذهن عادة، وما يتبادر إليه، هو الكيان التنظيمي والمؤسسي العتيق والعريق: الأندية الأدبية، ثم جمعية الثقافة والفنون وفروعها. وكلا الجهتين تعاني من شبه ذوبان لهويته، فضلا عن تواضع مخرجاته نسبيا؛ بسبب المرجعية المؤسسية الأم ذاتها: وزارة الثقافة والإعلام. فليست الأندية مستقلة، وليست غير مستقلة. وذلك وجه من وجوه تدني تأثيرها المطلوب، ودورها المؤمل. وتعاقب المسؤولين على إدارتها العامة. وهي تارة تدعى أندية أدبية، والأدب مجال اختصاصها ونشاطها العريق، وكان إنشاؤها تلبية لمطالبات حثيثة ومخلصة قام بها أدباؤنا الرواد. وتارة أخرى تدعى أندية أدبية ثقافية، وهي لا تزال بانتظار لائحة تنظيمية ونظامية؛ تُعَد وتُطبخ منذ ثماني سنوات.. ولم تنضج بعد.!
فيما يستبد السأم أحيانا بروادها وجمهورها من الأدباء؛ فيحاولون الاحتيال على ذلك السأم؛ بتبادل السؤال: حول أهمية دعمها ماليا، وإمكانية تطويرها، وحلم استقلالها إداريا، ويتوافقون أحيانا على ضرورة ذلك؛ لأنها الممكن المتاح و(الوحيد) للأدب والأدباء مؤسسيا. فيما ينزع بعضهم، إلى مطلب تحويلها إلى مراكز ثقافية بعد دمجها بجمعيات الثقافة والفنون. وهو ما يرفضه الأدباء التقليديون، الذين يؤكدون على ضرورة وجود مؤسسة تختص بالأدب، بوصفه المظهر الثقافي والمعرفي الأبرز والأشهر، والأكثر جماهيرية نسبيا. والمجال الأوسع قبولا للمواهب الأدبية بأنواعها كافة، بغض النظر عن أصالتها ومستواها.
وأما جمعية الثقافة والفنون، فلا تزال تشكو منذ زمن طويل من العوز، وتحمل فاقتها المزمنة كل ما يقال عن ضعف إنتاجيتها، وفقر برامجها، وانصراف المعنيين بها عنها. ويكاد وجودها يكون منعدما في بعض المناطق. فيما تشد مروءة الفنانين والمثقفين في مناطق أخرى، وصدق انتمائهم للفن والثقافة، من أزر كيانات هشة إداريا لهذه الجمعيات.
وتعاني من الأوصاب ذاتها؛ جمعيات ثقافية وفنية أخرى؛ كجمعية التشكيليين، والفوتوغرافيين، والمسرحيين...إلخ. نسمع بها ولا نكاد نراها، ليس بسبب أعضائها والمنتمين إليها، وإنما بسبب تدني مستوى دعمها إداريا وماليا. وتداخل اختصاصاتها ومجالات نشاطها، بلجان داخلية في جمعيات الثقافة والفنون. مما راكم من زهد المثقفين والفنانين الحقيقيين بها.
وإذا كان البعض يرى أن هذه الأندية والجمعيات؛ لم تعد مواكبة أو متناغمة مع العصر الجديد، وقضاياه ومزاجه، وفروضه، ولم يعد بوسعها تلبية مطالب وتطلعات أجياله، فضلا عن تدني إنتاجية بعضها، ووهن الناظم الإداري المؤسسي لبرامجها وسياساتها، فالسؤال: هل ثمة شكل تنظيمي مؤسسي جديد للأدب والثقافة، غير الأندية والجمعيات..؟ وإذا كان ثمة ذلك.. فما هو..؟ وما هي أطره.. وما هو جوهره..؟ وما هي إمكانية استقلاله اعتباريا..؟
والأهم، ما الذي سيقدمه للأدباء والمثقفين والفنانين غير المنتسبين إليه..؟ وغير المنضوين تحت مظلة هذه المؤسسات فكريا حتى..؟ وما الذي ستقدمه الوزارة للمثقفين خارج دائرة التَّبَعية..؟ أعني في الدائرة الوطنية.. الذين من حقهم أن يظلوا مستقلين. وربما من الأجدى لتمثيلهم لدورهم الأصيل والثري نوعيا، وإسهامهم المعرفي والوطني؛ أن يظلوا مستقلين.. بعيدا عن البحث في جوهر هذا الاستقلال، ومظاهره واشتراطاته.
وبعد: فهل من الممكن أن تكون هذه الأسئلة، وغيرها.. موضوعا من موضوعات مؤتمر وطني عام للأدباء والمثقفين في بلادنا..؟ شرط وجود ضمانة تقيه من مآل مؤتمرات مماثلة قبله.
لأن تلك المؤتمرات والملتقيات لم تتجاوز أدوارها وثمارها؛ الدائرة الزمنية اللحظية والمكانية لانعقادها، وظلت حبرا على ورق؛ لأنه أُريد لها أن تكون كذلك؛ ولم تكن ثمة إرادة حقيقية وجدِّية من راعيتها الوزارة في غير ذلك. إذ أرادت الوزارة - وبنوايا موغلة بالطيبة - أن تمنح الأدباء والمثقفين المؤتمرين؛ فرصة الالتقاء والتعارف، والدردشة، والتخفف من أعباء وظائفهم الرسمية، وممارسة متعة الحديث من خلال المايكرفون، والحوار الأليف الخفيف، ثم هم لا يوفضون ولا يفضون من وراء ذلك، إلى غير تلك الساعات المليئة بالأحاديث الودية المتبادلة، وإلى غير الكلام، والكلام المعاد.
الوزارة والمثقفون
محمد الدبيسي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
