من أكثر الملفات تشويهًا في الطرح الديني التقليدي المعاصر ملف العلاقة مع غير المسلمين؛ فقد ورث الخطاب الديني المعاصر مقولات وأحكام وتنظيرات هذا الملف من عصر الصراع المذهبي والديني منذ القرن الثالث إلى القرن العاشر الهجريين، وتنظيرات تلك القرون كانت متأثرة بالصراعات المذهبية بين طوائف الأمة، وبالنظرة القديمة للعالم بتقسيمه إلى دار كفر ودار إيمان، والقارئ للتاريخ الإسلامي يلحظ فرقًا كبيرًا في طريقة التعامل مع غير المسلمين في القرنين الأول والثاني الهجريين بالمقارنة مع القرون اللاحقة عليهما؛ إذ تميز القرنان الأول والثاني بقدر من الانفتاح على غير المسلمين لا نجده في تعامل القرون اللاحقة؛ فبداية من القرن الثالث ترسخ عصر (تقنين الفقه)؛ وهو تحول الأحكام الدينية المتوارثة إلى مدونات تتخذ طابع القانون الصارم في تبيان الأحكام في كل جوانب الحياة، ومنها جانب علاقة المسلم بغيره؛ وقد تأثر الفقهاء -آنذاك - في تدوينهم لتلك الأحكام بواقعهم المستجد في طريقة التعامل مع غير المسلمين، وما استقر في زمنهم من تفسير للآيات القرآنية التي تتحدث عن علاقة المسلمين بغيرهم، لكن من قرأ تراث القرن الأول الهجري - وهو عصر نزول الرسالة الإسلامية وعصر التطبيق العملي لأحكامها في عصر الخلفاء الراشدين وعصر بني أمية - يجد أن ثمة انفتاحا وتسامحًا في العلاقة مع غير المسلمين لا نجد لهما أثرًا في تنظيرات الفقهاء في عصر تدوين الفقه؛ إذ نجد أن غير المسلمين كانوا من رعايا الدولة الإسلامية في عصر الرسالة وعصر الخلفاء الراشدين يتعامل معهم المسلمون بصفتهم جزءًا من المجتمع؛ يشاركون المسلمين في الحركة الاقتصادية بيعًا وشراءً، فقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة لتاجر يهودي، واستلف مالا من اليهودي زيد بن سنعة؛ قال زيد: «فلما حل الأجل أتيته فأخذت بمجامع قميصه وقلت: يا محمد ألا تقضيني حقي، فوالله إنكم - يا بني عبدالمطلب – قوم مُطْلٌ»، فغضب عمر بن الخطاب وأراد البطش به، فنظر إليه الرسول وتبسم ثم قال: «أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التِّبَاعَةِ، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزد عشرين صاعا من تمر مكان ما رُعْتَه»، وفي الحركة الاجتماعية تجاورا في المسكن، وزيارات ولقاءات؛ فقد مرَّتْ بالرسول صلى الله عليه وسلم جنازة يهودي فقام واقفًا، فقيل له: إنها ليهودي؛ فقال متعجبًا: أليست نفْسًا؟!، وزار جاره اليهودي في مرضه، وذُبحتْ لعبدالله بن عمر شاة في أهله فلمَّا جاءَ قال أهديتُم لجارنا اليهودي؟، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (ما زال جبريل يُوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثُه).
وفي التعامل السياسي عدلا وإنصافًا؛ فقد مرَّ عمر بن الخطاب بشيخ من أهل الذمة يقف على الأبواب يسأل الناس قال: ما أنصفناك أن كنا أخذنا المال في شبيبتك، وضيعناك في شيْبِك، ثم أجرى عليه من بيت مال المسلمين ما يكفيه، واشتكت إليه امرأة قبطية من عمرو بن العاص الذي ضم بيتها إلى المسجد، وأنها ترفض العوض الذي عرضه عمرو عليها مهما كان فأمره عمر بن الخطاب بأن يهدم هذا الجزء الذي للمسجد ويعيد بناءه كما كان لصاحبته القبطية.
بل يتعدى الأمر إلى الجانب الديني؛ إذ لما جاء وفد نصارى نجران أنزلهم الرسول في المسجد ولما حان وقت صلاتهم تركهم يصلون في المسجد، فكانوا يصلون في جانب منه، وحينما فتح المسلمون دمشق حُوِّل جزءٌ من كنيستها إلى مسجد فكان باب الكنيسة والمسجد واحدًا، فكان الصحابة والمسلمون يدخلون إلى المسجد من باب يدخل منه القسس والرهبان للكنيسة وفي نهاية ممر الباب ينقسم إلى بابين باب إلى المسجد وآخر إلى الكنيسة، فكان المسلمون يسمعون ترانيم الكنيسة وهم في مسجدهم، والوقائع والأحداث في هذا كثيرة جدًا.
هذا التعامل مع غير المسلمين في القرن الأول الهجري لحظه بعض المستشرقين؛ يقول الكونت هنري دي كاستر: «درست تاريخ النصارى في بلاد الإسلام، فخرجت بحقيقة مشرقة هي أن معاملة المسلمين للنصارى تدل على لطف في المعاشرة، وهذا إحساس لم يُؤثر عن غير المسلمين؛ فلا نعرف في الإسلام مجامع دينية، ولا أحباراً يحترفون السير وراء الجيوش الغازية لإكراه الشعوب على الإيمان».
لكن مما يلحظ أن هذا التعامل لا نجد له أثرًا في تنظيرات الفقهاء في عصر تدوين الفقه؛ إذ غلب على مدونة الفقه والتأصيل له الاحتجاج بالروايات القولية وتقديمها على الوقائع العملية، مع ما يكتنف القول من رواية بالمعنى، وجهل سبب القول، وهذا مبحث أصولي ليس هذا مجاله.