أثناء دراستي مادة التشريح مرّ عليّ اسم لم أفهم معناه epididymis فاضطررت لشراء قاموس طبي أفادني أنه البربخ مما يعني أن الكلمات غير المفهومة أصبحت اثنتين، وعلمت أثناءها أن البنكرياس هو المُعَثْكَلَة وأن الهيموجلوبين هو اليَحْمور. وتزامناً مع يوم اللغة العربية الذي وافق أمس الثامن عشر من ديسمبر سأفتح باب موضوعٍ شائك هو تدريس الطب باللغة العربية، والذي تصاحب مناقشته عادةً آراء متشنجة سواء معه أو ضده.
في عام 1827 افتتحت أول مدرسة عربية للطب في القاهرة وكانت اللغة العربية هي اللغة المعتمدة حتى تم تغييرها بعد الاحتلال البريطاني إلى الإنجليزية بحجة عدم وجود مراجع كافية، الحال في الجامعة السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية) في بيروت كان مماثلا، تجارب أخرى في ليبيا وتونس والسودان أضيفت لاحقاً إلى هذه القائمة، التجربة السورية فقط هي التي قاومت التغيير واستطاعت الاستمرار، مما يعني أن الأمر ليس مستحيلاً، ويظل السؤال هو: ما هو الأفضل للطبيب والمريض؟
نبدأ رحلتنا الشائكة مع الفريق المطالب بتغيير المناهج إلى اللغة العربية، والحجة هنا أنها لغتنا الأم وأنها (وسعت كتاب الله لفظاً وغاية) كما قال حافظ إبراهيم، وأن كثيراً من الدول تعلّم طلابها بلغاتهم الأقل انتشاراً من العربية كالإسبانية والإيطالية وحتى العبرية، وأخيراً التعليم بغيرها يُعدّ انهزاماً فكرياً.
الرافضون يتعذرون بأن الطب في تطور مستمر، وأنك بضغطة زر على هاتفك الذكي تستطيع متابعة الحديث في الطب والذي عادة ما يتم نشره باللغة الإنجليزية، وأي تعريب للطب لا بد أن ترافقه حملة ترجمة هائلة ودائمة للحاق بركب التطور السريع، كما أنهم يسوقون الأمثال بأن العربية الطبية ليست هي التي نتحدث بها في حياتنا اليومية بل مستمدّة من معاجم لغويّة معقدة، مما يسلب منها سهولة الاستيعاب.
المتفق عليه أن الطبيب لا بد أن يكون قادراً على متابعة ما ينشر في مجاله، كما أنه لا بد من تبسيط المصطلحات وتوحيدها، فليس من المنطق أن لا يفهم طالب الطب في السودان مثلاً ما يقرأه في كتابٍ من العراق، ولإصدار الحكم عمّا إذا كان اسمه البنكرياس أم المعثكلة ترفع الجلسة للمداولة.

 

aalmansari@

[email protected]