طبقت الجماعات الإرهابية الصهيونية خطة «ترانسفير» لتفريغ فلسطين من مخزونها البشري وتهجير أكبر قدر ممكن من السكان، في حرب ديموغرافية صريحة. وبالفعل نجحت في ذلك من خلال الإرهاب وبث الرعب في قلوب الأهالي بارتكاب المجازر المروعة. هذه الحرب الديموغرافية لعبت دورا بارزا في الصراع العربي اليهودي وتغيير ميزان القوى لصالح الحركة الصهيونية، والذي ما زالت آثاره وتبعاته ممتدة إلى يومنا هذا.
المفكر عبدالوهاب المسيري قدم رؤية مختلفة حول قيام دولة إسرائيل، وهي رؤية مختلفة عن الرواية الرسمية الصهيونية التي تدعي أحقية الأرض ونظرية أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. وبالأحرى هي دراسة لدوافع الدول الغربية بدعمها لنشأة دولة إسرائيل. قدم تلك الرؤية بكتاب عنوانه «إسرائيل قاعدة للاستعمار الغربي»، رأى فيه أن الدول الاستعمارية لم تدعم الشعب اليهودي تعاطفا معه، فأساسا عمليات الهجرة بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر، ووعد بلفور سبق مذابح هتلر بعدة سنوات. مما يعني أن النية كانت مسبقة ولم تكن مجرد تعاطف. بل كان لكبح الإسلام الإمبراطوري، وليس السبيل إلى ذلك إلا بدعم أي قوة تحاول تفتيت المجتمع العربي من الداخل باعتباره حاضن الإسلام. وبهذا أصبحت قضية العرب الأولى ومنذ ستين سنة ليست البحث العلمي أو محاولة الهبوط على سطح القمر، أو تصنيع القنبلة الذرية، وإنما قضية فلسطين. هنا أصبح داخل الجسم العربي ورم خبيث يقوم بدعم أي حليف له متواطئ من داخل المجتمع العربي لإعاقة العرب عن تحقيق آمالهم وتطلعاتهم بالاستقلال والسيادة.
هنا نجد أنفسنا أمام حرب ديموغرافية أكبر، كان العنصر اليهودي جزءا منها، فلك أن تتخيل أن ساحل شرق المتوسط الذي كان عربيا منذ ما قبل الميلاد وسكنه الكنعانيون والفينيقيون وبعدهم لخم وجذام العربيتان، واستطاع العرب طرد الاحتلال الروماني منه بعد الإسلام، يسكنه الآن يهود من بولندا وأوروبا الشرقية وإسبانيا وأثيوبيا وشتى أصقاع الأرض! وساعدهم في السعي لخلاصهم الديني سادة العالم من الدول الاستعمارية ولا سيما بريطانيا ومن بعدها أمريكا.
أصبحنا بالفعل ضحية لحروب ديموغرافية مركبة بل وممتدة، فحرب لبنان الأهلية التي استمرت 16 عاما خلفت وراءها أكثر من ستة ملايين لاجئ، وربما لبنان هو البلد الوحيد في العالم الذي يفوق عدد لاجئيه عدد سكانه في الداخل! وفي العقد الماضي غير الاحتلال الأمريكي ديموغرافية العراق وفرّغه من مكونه العربي لصالح النفوذ الفارسي، وفعلت أمريكا ذلك في سوريا عندما حظرت تسليح الجيش الحر السوري مقابل سماحها لإيران وسوريا بتسليح نظام الأسد الذي أفرغ سوريا من سكانها وهجر أكثر من 8 ملايين إنسان.
تقدر الأمم المتحدة أن منطقة الشرق الأوسط تحوي أكبر عدد من اللاجئين على مستوى العالم! كل هذا وبرميل البارود لم ينفجر تحت اليمنيين في جنوب الجزيرة العربية. فبعد إتمام المبادرة العربية أصر السفير الأمريكي على الرئيس اليمني هادي منصور بأن يبقي على الحرس الخاص لصالح، وصرف رواتبهم والذي يقدر عددهم بـ5 آلاف جندي، مما أطلق يد صالح للعبث باليمن والتحالف مع قوة دينية متطرفة موالية لإيران. هنا أفسحت أمريكا المجال لإيران، وتلعب لعبة القط والفأر مع داعش، في فصل جديد من فصول ترانسفير العرب ضمن حرب ديموغرافية شاملة وممنهجة.
ترانسفير العرب
فايد العليوي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
