يثير الخبر المنشور في «مكة» يوم الأحد الماضي، بعض الأسى، لتضمنه أوصاف التجريم تجاه رئيس المجلس البلدي بالرس، في الأمر الذي أصدره رئيس المحكمة العامة بالرس. فالخبر يأتي هكذا: «أصدر رئيس المحكمة العامة بالرس أمرا بالقبض على رئيس المجلس البلدي بالمحافظة وتوقيفه لمدة شهر، إضافة للبحث عن سوابقه، وإحضاره للمحكمة مخفورا». وهذه كلها علامات جريمة مقترفة! غير أن علينا أن نتوقف عند وصف «المجرم» هنا بصفته الوظيفية: «رئيس المجلس البلدي» وليس باسمه الشخصي. فالصفة الوظيفية تعني أن موضوع الجريمة إداري أو وظيفي، وفي هذه الحالة ليست المحكمة العامة التي أصدرت الأمر جهة قضائية للمخالفات أو الجرائم الإدارية والوظيفية بل هي «المحاكم الإدارية».
أما إذا أكملنا بقية الخبر فإننا سنكتشف الصفة الوظيفية للمجلس البلدي التي تسببت في أمر المحكمة؛ فأمر المحكمة جاء – فيما ينص الخبر- «على خلفية قرار المجلس البلدي وجود ملاحظات حول حجج الاستحكام التي تصدر عن المحكمة». ويمضي الخبر إلى ذكر مرحلة متقدمة في شأن الملاحظات، وهي ذروة التصعيد والتوتر بين المجلس البلدي والمحكمة؛ حين «أصدر أعضاء المجلس البلدي قرارا حول الملاحظات.. وإرسالها لوزير العدل بعد رفض رئيس المحكمة مقابلتهم».
وتضمن القرار إشارتهم إلى «مخالفة المحكمة للأمر السامي بإصدار حجج الاستحكام، وذلك باستقبال الطلبات وقت المنع» إضافة إلى مطالبتهم «بتشكيل لجنة لزيارة المحكمة ودراسة الملاحظات ومراجعة الإعلانات الصادرة لأراض بيضاء بملايين الأمتار، شارك في عمل رفوعاتها المساحية المساح الرسمي للمحكمة وهي في الأصل أراض حكومية».
أين الجريمة التي اقترفها رئيس المجلس البلدي هنا؟! هل أصبح جريمة أن يقوم المجلس البلدي بدوره في المحافظة على الأراضي الحكومية، ومنع التعدي عليها، أو أن يشكو من تعطيل إجراءات المحكمة قدرة البلدية على توزيع المنح؟!
وإذا كان قرار الملاحظات هو قرار أعضاء المجلس، فلماذا اختصت المحكمة رئيس المجلس بالعقوبة؟! ثم كيف يمكن تبرير ما اشتمل عليه أمر المحكمة من إجراءات عقابية، من دون محاكمة، وبلا نص تشريعي، ومن دون اختصاص المحكمة في موضوع الدعوى؟! أما الأكثر أهمية من ذلك كله فهي حيثيات عقوبة المحكمة لرئيس المجلس وأسباب ما اتخذت في حقه من إجراءات التعنيف والتشهير: ماذا يعني أن تكون ملاحظات المجلس على إجراءات المحكمة سببا لها؟!
إن الثقة في القضاء سبب لاطمئنان الناس في ظله على حقوقهم، وليس جهة مؤسسية في المجتمعات الإنسانية أعظمَ من القضاء في ترسيخ النظام وكفالة العدالة. لكن الثقة في القضاء وهيبته لا تهتز –إن اهتزت - بسبب خطأ هنا أو تجاوز هناك، ولا تتحقق –إن تحققت - في فرد من أفراد القضاة هنا أو فرد هناك، وإنما هي صفة المؤسسة القضائية نفسها التي لا تتيح للفردية أن تتغول، ولا للأخطاء أن تكتسب صفة شرعية.
ولقد أحسن أعضاء المجلس البلدي في رفع ملاحظاتهم إلى وزارة العدل ووزارة الشؤون البلدية اللتين ستتحققان من صحتها ونظاميتها، وإلى أن يتم ذلك فإنني أرجو أن يكتب الله السلامة لرئيس المجلس البلدي من السجن والحضور القسري مخفورا أمام أعين الشامتين!