بعد الموقف الأخير والتجاذب الذي حصل بين رجال الهيئة والوافد البريطاني وما تبع ذلك من أحداث وتطورات...أرجعني هذا الأمر إلى تذكر موقف حصل لي عندما كنت أحضِّر الدكتوراه في بريطانيا.
كان موضوع أطروحتي عن دوافع الجريمة لدى العمال الأجانب في السعودية.
وأعددت 3 استبانات، الأولى للمجرمين الأجانب، والثانية لمن يتعامل معهم في التحقيق والتقاضي (محققوا الشرطة والقضاة) والثالثة لمسؤولي السفارات.
وعند مقابلة أحد المجرمين، كان هناك سؤال حول كيفية الكشف عن جريمته والقبض عليه.
والمفاجأة كانت عندما أجاب عدد ملحوظ منهم بأن من قبض عليهم هي الهيئة، على الرغم من أن جرائمهم كانت جرائم جنائية خطيرة، كشبكات الدعارة وترويج المخدرات وتصنيع وترويج الخمور...وغيرها.
فتواصلت مع المشرف على رسالتي البروفيسور مايكل بانتون (وهو رئيس قسم علم الاجتماع بجامعة بريستول وقاض في المحكمة المستعجلة، وخبير في الجريمة والعلاقة بين الشرطة والأقليات العرقية) وشرحت له الوضع، وبناء على ذلك تمت إضافة استبانة جديدة لجمع البيانات من مسؤولي الهيئة نظرا لتعاملهم مع جرائم الوافدين.
وبعد الانتهاء من جمع البيانات والعودة إلى مقر البعثة.
طلب د.
بانتون أن أكتب عن الهيئة ليفهم ما هي.
فكتبت له بحثا عن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام، وتطور الحسبة عبر التاريخ وواقع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية.
وبعد قراءة ما كتبته بدأ البروفيسور بطرح بعض الأسئلة حول كيفية تنظيم الهيئة ومسؤولياتها ولباس أعضائها ومدى اندماجهم في المجتمع ومدى ثقة الناس بهم.
وبعد إجابتي على جميع تساؤلاته، قال: «هذا ما نبحث عنه، هذا ما نريده...لقد أمضينا زمناً طويلاً نعمل على إيجاد جهة مسؤولة ومقبولة مجتمعيا لتساند الشرطة في عملها، وتساعد في تحسين العلاقة المتوترة بين المواطن ورجل الأمن.
وقد تم اقتراح وتنفيذ العديد من البرامج، مثل: أصدقاء الشرطة، ومراقبة الحارة (neighborhood watch) والاعتقال بواسطة المواطن (citizen arrest) وغيرها من البرامج، ولكن للأسف جميعها لم تحقق بشكل كامل الهدف المنشود من إنشائها، بل حصل في بعضها أخطاء، وتجاوزات، وانقطاع، وعدم استمرارية، وذلك بسبب عدم توفر التنظيم والخبرة والجدية وارتباطها بالعمل التطوعي.
بينما أنتم وصلتم لمستوى متقدم في استحداث مثل هذا الجهاز المدني، المقبول، المساءل، المنظم، ويحقق الهدف الأساسي من إنشائه، وهو دعم الجهاز الأمني في أداء مهامه.
فاتساع رقعة المدن وازدياد عدد سكانها وارتفاع معدلات الجريمة تستوجب وجود جهات مساندة للشرطة في القيام بعملها وحماية المجتمع، لأننا لا نستطيع وضع رجل أمن في كل زاوية من زوايا المدينة».
هذا بتصّرف ما دار بيني ومشرفي القاضي الخبير في قضايا الجريمة والعلاقة بين المواطن ورجل الأمن، من حوار ونقاش حول الهيئة.
وكان موقفه إيجابيا بجدارة من جهاز الهيئة وأهمية وجوده ودوره الحيوي في المجتمع.
بينما في المقابل نجد في مجتمعنا من يقلل من أهمية هذا الجهاز، بل هناك من يطالب بإلغائه، وهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أصناف:1) الجاهل التابع لكل ناعق.
2) أصحاب الأخلاق الفاسدة الذين يريدون أن يطلقوا العنان لأهوائهم ورغباتهم المنحرفة التي حالت دون تحقيقها الهيئة.
3) أعداء الدين الذين لا ينفكون عن محاربة الإسلام ويحاولون استغلال أخطاء بعض أتباعه ويضخمونها لمحاولة النيل من هذا الدين، وهؤلاء يجب الحذر منهم والانتباه لمخططاتهم وتدليسهم.
وتلزم هنا الإشارة إلى أن جهاز الهيئة جهاز حكومي، والعاملون فيه موظفون حكوميون مثلهم مثل باقي الموظفين من أبناء هذا الوطن ونتاج هذه البيئة.
ومثلهم مثل باقي البشر يصدر منهم الصواب والخطأ، فهم ليسوا ملائكة ولم يدَّعوا أنهم كذلك.
الإشكالية تكمن في أن جزءا منا وضع رجال الهيئة في إطار التنزيه من الخطأ وبدأ يدافع عنهم دفاع المنزهين عن الخطأ، وهذا خطأ.
وهناك من ينتقدهم من مبدأ النصيحة وهو إلى الفضيحة أقرب.
والبعض الآخر وضعهم في إطار الجهال المتعجرفين الذين لا يفقهون فن التعامل مع الآخرين، وبدأ يهاجمهم هجوماً مستميتاً لتحجيم دورهم بل ولإلغائهم، وهذا خطأ أكبر.
ولكن النظرة الموضوعية للأمور تقتضي أن نطالب ببقاء الهيئة ودعمها وتطويرها لمواكبة مستجدات الحياة وتغيرها، نظراً لأهميتها واعتبارها صمام أمان للمجتمع، وذلك بوضع البرامج التطويرية لها، وتدريب أعضائها على مهارات الكشف عن الجريمة، وحفظ مسرح الجريمة (لحفظ الأدلة وعدم طمسها)، وفن التعامل مع الجمهور، ومهارات ضبط النفس، والاحترافية في التعامل مع المتهمين، ومعرفة حدود وواجبات العمل لكيلا يتجاوز العضو حدود عمله، وحتى لا يحمَّل فوق طاقته.
كما يجب أن تكون هناك آلية واضحة للشكاوى والتحقيق والتظلم، والإعلان عنها وتوعية المجتمع بها مما سيساعد على حفظ حقوق المواطن وعضو الهيئة.
إن جهل بعض المواطنين والمقيمين بواجبات وحقوق رجل الهيئة يجعلهم أحياناً يتجاهلونه أو يتصرفون بتشنّج عندما يطلب منهم رجل الهيئة إبراز إثبات الهوية أو يأمرهم بأمر من صميم عمله.
وهذا يجعل ردة فعل بعض رجال الهيئة أيضا متشنجة أحياناً..لأن لكل فعل ردة فعل، فبعض المواطنين يجهل أن من حق رجل الهيئة أن يطلب إثبات الهوية، مثله مثل رجل الشرطة في ذلك، فيرفض المواطن ذلك بل ويتجاهل أو يتحدى رجل الهيئة، فيتعامل معه رجل الهيئة على أنه يرفض الانقياد لأوامره المشروعة، وهو رجل دولة.
مما يؤدي إلى تصاعد وتيرة الموقف فيتحول إلى تراشق بالألسن ثم تماسك بالأيدي.
وهو أمر متوقع في أي موقف اجتماعي فيه تحد؛ وعادة يُدرَّب رجال الأمن على ضرورة استخدام القوة للسيطرة على الموقف وتطبيق النظام.
فيكون نتاج ذلك موقف عنيف، يؤدي إلى ظهور ردود أفعال مجتمعية متشنجة في وسائل التواصل الاجتماعي ضد الجهة القابضة دون التثبت أو التأكد من حقيقة الأمر.
ومما تقدم نستطيع أن نخلص إلى أننا نحتاج إلى بقاء الهيئة، ولكن لا بد من تطويرها، وطرح برامج توعويّة للجمهور بحقوق وواجبات الهيئة.
وتكثيف الدورات التدريبية لرجال الهيئة.
مع إيجاد جهة مستقلة ومحايدة وموثوقة تتلقى الشكاوى والتظلمات وتبت فيها.