تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” أدهش العالم بفظائعه التي فاقت كل تصور، فهو لا يكتفي بقطع رؤوس ضحاياه بطريقة وحشية بل يبث صور عملية الذبح في الفيديو والقنوات الفضائية لإرهاب الناس جميعا؛ المسلمين وغير المسلمين، والأدهى أنه يفعل كل تلك الموبقات باسم الإسلام، وعلى وقع صيحات”الله أكبر”، مع أن القاعدة الثابتة في القرآن التي تدور حولها كل مفاهيم التسامح والرحمة التي جاء بها الإسلام ومن خلالها تحدد علاقة المسلمين بعضهم ببعض وعلاقتهم بغيرهم من أصحاب الديانات والملل الأخرى وتعدّ أصل الإسلام وزبدته هي “لا إكراه في الدين”..
ولكن لماذا تصر التنظيمات المتشددة المحسوبة على الإسلام ومعها تنظيم “داعش” على انتهاج استراتيجية القتل والذبح وبث الرعب في قلوب الناس وتصوير الإسلام على أنه دين الذبح والإرهاب استنادا إلى بعض الأحاديث ومنها الحديث الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم (لقد جئتكم بالذبح) الذي يناقض تماما آيات قرآنية كثيرة تدعو إلى عكس ذلك، منها: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) و(ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، فليس من المعقول أن يتحول إنسان كلف بنشر الرحمة بين الناس وطبعه هادئ ورزين أساسا وغير فظ ولا غليظ القلب، إلى قاتل غليظ القلب يذبح ويقتل بالصورة الشنيعة التي نراها في الفضائيات؟.. هذا غير معقول... وماذا تعني كلمة “جميلا” في آية (واهجرهم هجرا جميلا)؟ أليس معناها هجر الكفار من دون قطع لصلة الرحم ولا مقاطعة اقتصادية واجتماعية ولا غزو ولا سبي ولا فرض قوانين وشرائع بقوة السلاح؟ ..
برأيي ورأي الكثير من الفقهاء والمفكرين إن أي حديث يدعو إلى إرهاب الناس والمجتمعات وهي آمنة، مهما كان سنده صحيحا ورواته ثقاة، لا يعتد به ما دام يناقض آيات قرآنية صريحة، مثل هذا الحديث الذي أشرنا إليه آنفا .. آن الأوان ليقوم علماء المسلمين في العالم الإسلامي وفي المملكة العربية السعودية باعتبارها منارة الإسلام ورائدة العالم الإسلامي المعاصر، بوضع برنامج متكامل لتنقية التراث الإسلامي من الأحاديث وسير السلف وكتاباتهم المتشددة التي تحث على العنف المفرط واستعمال القوة والقمع لفرض الآراء خلافا لآيات قرآنية دالة على السلام والعدل والمحبة وتكريس حقوق الإنسان وكرامته في المجتمع، فالأصل في الإسلام وأساسه المتين والهدف الذي جاء من أجله ودعا إليه وحاول من خلاله نشر التوحيد بين الناس هو كما قلنا (..رحمة للعالمين) وما عداه يعدّ فروعا ليس إلا ..
وإني أتعجب جدا لمواقف الجمعيات والمنظمات والمؤتمرات الإسلامية الغريبة إزاء ما يتعرض له الإسلام من انتهاكات متواصلة على يد حركات وجماعات “إسلامية” منذ عام 1988 وهو يوم ظهور تنظيم القاعدة على يد “أسامة بن لادن”؟ ماذا فعلت منظمة التعاون الإسلامي لتوعية المسلمين والدول الإسلامية من خطر هذه الجماعات على الإسلام ومستقبل المسلمين، وماذا فعل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين غير التنديد والاستنكار !! ..
يستطيع المرء تصور حجم الإضرار الذي لحق بالإسلام والمسلمين من جراء ظهور هذه الجماعات المتطرفة المحسوبة على السنة، فضلا عن تشويهها المتعمد لثوابت الإسلام وأركانه الأساسية، فإنها أعطت ذريعة قوية لتدخل بعض الدوائر الغربية في المجتمعات الإسلامية وتكريس تواجدها العسكري والسياسي فيها، ولاستمرار سيطرتها على هذه المجتمعات، ساعدت بطريقة أو بأخرى في إنشاء جماعات إسلامية متطرفة من نفس جنسها وفصيلتها “الدموية”، ولكنها تنتمي إلى المذهب الشيعي، لتواجه تلك الحركات السنية المتطرفة، فانتشرت ميليشيات شيعية مسلحة في أرجاء العالم الإسلامي، وأخذت تخوض صراعا طائفيا مريرا، فالاستراتيجية الغربية في المنطقة وخاصة بعد سقوط النظام العروبي في بغداد 2003 تقضي بإثارة الصراع السني الشيعي على نطاق واسع وإشغال المجتمعات الإسلامية بمعارك طائفية قد تطول لسنوات طويلة غير محدودة.
وبموازات تصاعد الميليشيات السنية أو المحسوبة على السنة كـ “داعش”وتوسيع رقعة عملياتها في المنطقة واحتلالها بعض المدن المهمة في العراق وسوريا بالغزو العسكري مثل الرقة والموصل والأنبار وصلاح الدين، تحركت جماعة “الحوثيين” الشيعية بالمقابل لاحتلال مدينة “صنعاء” عاصمة اليمن بالقوة المسلحة .. وكلما تقدمت داعش في منطقة وزاد نفوذها، ازداد نفوذ الميليشيات الشيعية معها، ليستمر الصراع الطائفي إلى أجل غير مسمى، كما خططوا له، ووضعوا على ضوئها استراتيجيتهم الجهنمية.
إزاء هذه التطورات السياسية المتلاحقة في المنطقة، تقف الدول العربية عاجزة عن فعل شيء، بفعل تشرذمها وعدم توحيد كلمتها، وهي على أعتاب مرحلة تشبه إلى حد كبير بداية مرحلة تقسيمها إلى دويلات حسب اتفاقية (سايكس بيكو) الاستعمارية.