في عصر نحن نتاجه، عصر المعلوماتية والانفتاح التواصلي الكوني، عصر تغلبت فيه جغرافية المعرفية على جغرافية المكان، وأصبحت القوة بيد من يحسن فن رسم الخرائط في عالم سريع ومعقد ومصلحي. فإن التعقيد يتضاعف على مجتمعات بطيئة في قراراتها وأفعالها، ناقصة في حرياتها، مأسورة بعقبات التخلف ومسكونة بهواجس الخوف والاستلاب. تتسلى بهوية تشظت إلى هويات من نسج الأوهام. عالم يموج بالحروب والنزاعات، وتفتك فيه الأمراض والآفات، عالم يفتقد إلى ثقافة أكثر للعدالة وقوانينها. عالم أصبح فيه الإنسان منزعجاً قلقاً مضطرباً لا تشير بوصلته إلى الاتجاه الصحيح في كثير من الأحيان. ولا أضر على إنسان هذا العصر من غياب المفاهيم والسلوك لأعظم مبادئه وقيمه ومقدراته كـ الحب والعطاء والتسامح والسلام.
في ظل هذا العالم الجامح فإن مجموعة من الشباب والفتيات بدؤوا البحث عن طريق للعيش بسلام، واكتشاف عمقهم الروحاني، ليتجاوزوا حروب الكلام، ومعسكرات الأيديولوجيات والمعتقدات، وليخرجوا من سجون العقل المحدود، إلى فضاءات النفس وآفاقها، ومن أوهام الأنا الزائفة إلى نزاهة الأنا الحقيقية. في حالة لا تختصم مع العقل! ولكنها تفهم أدواره الشريفة، دون أن يكون له سلطة مطلقة يحاكم فيها الروح ويمنطق كل الوجود.
لقد أصبح من الجاذب للانتباه في حديث الشباب والبنات، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، شغفهم للوعي عن السكينة والنجاح الروحي، وكل ذلك يؤكد أن الجيل الحاضر من الشباب والبنات، يستأنف ما فات على من قبله ممن استخدمتهم عقولهم بدل أن يستخدموها، أولئك الذين تركز اهتمامهم كيف يمتلكون، ولم يتركز اهتمامهم كيف يكونون!! فأصبحت الحياة وقد تحولت إلى حركة وراء المادة حياة صلبة لا روح فيها، وما نتج عن ذلك من أمراض النفس وتعثرات الحياة. ولعل هذا الوعي أن يأذن بفجر جديد لعصر الحكمة حين يهدأ العقل بسكينة النفس، ويستطيع الإنسان أن يتبصر في حالة، ويعيش بهجته وسعادته، ويحقق إنسانيته.
إن السكينة والحكمة يجب أن تكونا مشروع العصر الراهن عبر التعليم والإعلام والخطاب الثقافي العام، والخطاب الديني والإنساني بشكل خاص. مشروع يقوم به المعلمون الحكماء من علماء الدين المتبصرين، أهل الحكمة والرأي والتجربة السديدة. وهو خيار بات ملحاً لا سيما ونحن نجني ثمار الجفاف الثقافي من خلال التشدد الديني والغلو والتطرف الذي تجاوز الخطاب إلى القتل والتدمير! وبذلك ندرك جيداً أن أي تأخر فيه فإنما هو تجاهل للحقيقة، بل وعداء لها وهو ما سيجنيه المجتمع وبالاً حين يكون النزق هو سيد الموقف في القرارات والتحولات، وحين يطغى الزيف والمزايدات في كل الخطابات. فإن المجتمع هو ضحية الظلم والنزق والكراهية والبغضاء والتفكك وكل مخرجات اللاروح واللاوعي.
إن الخطاب الديني يجب أن يكون واعياً أكثر من غيره، وأن يكون يقظاً من أن يُشغل ويُستغل للصراعات والشعارات، وعلى علماء الدين عبء الوعي الذاتي الذي يدركون من خلاله رسالتهم في فهم التدين كنور مشكاة النبوة ـ هدى ورحمة ـ يجد الناس فيه مستراحهم وسعتهم، فيجدوا سكينتهم في المساجد التي ـ وللأسف ـ لم يعد بعضها كذلك حين فقدت روحانيتها وجاذبيتها لضعف الاهتمام بها ونقص ما يلقى فيها من الحكمة وجمال الحال والخطاب. حيث تحولت خطبة الجمعة إلى نشرة أخبار وتحليل للأحداث! وانقلبت الموعظة زجراً صاخباً، والفقه خلافات وترجيحات لا تنتهي إلى ما يهذب السلوك ويهيئ النفوس. ولا يكتفي مشروع الحكمة والسكينة على علماء الدين، لكنهم حجر زاوية فيه. وعلى كل أحد مسؤوليته فـ(كلكم مسؤول) والخير قادم بإذن الله فالحول له والقوة به.