أي والله فكلنا نحبه؛ ولئن جاء الصدى لهذا العشق خافتاً فلأن شيئاً ما خفيّاً في جيناتنا العربية يمنعنا من إظهار مشاعرنا حتى إن كان المعني بهذا الحب هو الوطن! قلت «إظهار» وإلا فقلب طفل عامرٌ بهذا العشق ليس بحاجةٍ لبرهان! ومشكلتنا – كما أراها- ليست في الحب كمعنى وإنما النظر إليه كممارسة! فالإشكالية في كيفية التعبير عن هذا الحب! فإما كتمانه وكأنه خبيئة لذيذة نستمتع بحلاوتها في شغاف قلوبنا إنما من العيب أن تشيع وتظهر على الملأ! وأصحاب هذه الرؤية غالباً يظلّ رهانهم الأكبر الترجمة الفعلية في المواقف التي تستدعي ذلك! وإما المبالغة في إظهار هذا الحبّ بشكل يعكس جهلاً بفنون التعبير قد يصل بصاحبه للتهور والطيش! تبقى الرؤية التي يستدعي أصحابها أسباباً دينية لإنكار قيام أي مظاهر احتفالية بيوم الوطن؛ والحقيقة أن بعض مسوغات هؤلاء – مع احترامي الشديد لوجهة نظرهم وتقديري لعلمهم - تأتي غالباً من باب التحوط لئلا يضاهي الاحتفال باليوم الوطني العيدين! أو يكون »بدعة« لم تكن بعهد الرسول، عليه السلام، ولا الخلفاء الراشدين من بعده! والحقيقة أن اليوم الوطني ليس عبادة في الأساس ولا يشهد أي مظاهر للتعبّد لذا فهو خارج عن »توقيفية العبادات«! ولا يقاس حتى بالاحتفالات الدينية التي يرى بعض هؤلاء بأنها بدعة كالاحتفال بالمولد النبوي وهجرته عليه الصلاة والسلام؛ لأن الاحتفال لأمر دنيوي جرت به العادة هو يوم الوطن الذي لا مظاهر تقديسية به وفيه؛ ولعله من باب توضيح هذا »الخلط« - بين ما هو »عادة« وما هو »عبادة« - الاطلاع على أقوال الفقهاء في هذا الباب مما لا تتسع الزاوية لذكره وإنما أكتفي بالإشارة إليه.
ختاماً فإن ما يشهده العالم من أحداثٍ وصراعات يستدعي منا جميعاً إظهار حبنا لوطننا عالياً بكل ثقةٍ واعتزاز؛ أن نعمل من أجله وله فذلك هو قدرنا وضمان مستقبلنا؛ وهي رسالة حتى لمن يظهرون حبّه ويفعلون عكس ذلك أن يصححوا المسار؛ فإثبات الحبّ يعني الإخلاص فيه ظاهراً وباطناً بالعمل الجاد والإيثار والتعبير الحضاري المسؤول.