لا يمكن الحديث عن التاريخ العلمي والثقافي أو الاقتصادي أو الاجتماعي لمكة المكرمة في القرن الثالث عشر أو الرابع عشر، دون أن نذكر خلال حديثنا أحد أفراد أسرة الميرداد، أو الميرادة كما كان يطلق عليهم.

فقد تألقت هذه الأسرة في التاريخ المكي من أواخر القرن الثاني عشر وأشتد هذا التألق في القرن الثالث عشر بطوله، فظهر منهم القضاة والخطباء والأئمة والمحدثون والمفتون والرحالة.
وقد تجاوز عدد العلماء الذين أنجبتهم هذه الأسرة خلال القرنين الماضيين الخمسين، منهم من وصلتنا أخبارهم وتراجمهم، ومنهم من وصلتنا أسماؤهم وفقدت تراجمهم، لذلك يمكن القول إن هذه الأسرة تعد من الأسر العلمية الكبيرة في التاريخ المكي مثلهم في ذلك مثل أسرة الطبري أو أسرة الفهود أو آل النويري، وربما فاقتهم في العدد.


الملا محمد

وأول من ظهر على الساحة العلمية من هذه الأسرة الملا محمد ميرداد، والذي التقى به صاحب الرحلة الهندية رفيع الدين المراد آبادي في مكة المكرمة في 1201هـ، وقال عنه: ملا ميرداد المكي المولد، ماهر في فن القراءة، فريد زمانه، ووحيد عصره، يتمتع بحس الخلق وطيب المعاملة، وهو بحر في علم الحديث وغيره من العلوم.
ويبدو أن من ذكره صاحب الرحلة الهندية، هو محمد ميرداد الجد الجامع لهذه الأسرة، والذي سيأتي الحديث لاحقا عن ذريته من العلماء في مكة المكرمة.


مشيخة الخطابة

ولعل أبرز ما يميز أسرة الميرداد، هو احتفاظها بمنصب مشيخة الخطابة في الحرم المكي مدة طويلة تمتد من 1205 وحتى 1343هـ، وإن كان يتخلل ذلك بعض من تولاها من خارج الأسرة، إلا أن ذلك في مجمله لا يتجاوز العشر سنوات، وقد تولى هذا المنصب منهم على التوالي: عبدالرحمن بن محمد صالح بن محمد ميرداد الحنفي، والذي كان إماما عند الشريف سرور، وهو أول من تولى المشيخة، وظل فيها حتى وفاته 1207هـ.

 

  •  ثم تولاها من بعده الشيخ عبدالله، ومكث فيها أكثر من خمسين عاما.
  •  ثم تولاها من بعده ابنه مصطفى بن عبدالله ميرداد، وظل فيها نحو سبع سنوات، وتوفي 1264هـ.
  •  ثم تولاها الشيخ عبدالله بن محمد صالح بن سليمان بن محمد صالح بن محمد ميرداد، وظل فيها حتى وفاته 1271هـ.
  •  ثم تولاها من بعده أخوه عبدالعزيز بن محمد صالح ميرداد، وظل فيها قريبا من خمس سنوات.
  •  ثم آلت من بعده للشيخ سليمان بن عبدالمعطي ميرداد، وظل فيها حتى وفاته 1293هـ.
  •  ثم انتقلت بوفاته للشيخ أحمد ميرداد الشهير بأبوالخير، وظل فيها حتى 1299هـ، حيث طلب الاستعفاء من المشيخة، ثم عادت إليه المشيخة مرة أخرى.
  •  ثم انتقلت بوفاته إلى ابنه عبدالله بن أحمد أبو الخير، والذي ظل بها حتى وفاته 1343.ولم يقتصر دور الخطباء منهم على الخطابة فقط، بل كان منهم من يتولى إلى جانب مشيخة الخطباء، القضاء والتدريس في الحلقات العلمية في الحرم، فمثلا نجد أن عبدالله بن عبدالرحمن ميرداد، كان بارعا في علم الفرائض، وعبدالله بن محمد صالح ميرداد كان ماهرا في علم الفرائض أيضا، إضافة إلى تدريسه في حلقات الحرم، وكان أمينا للفتوى عند مفتي الأحناف في مكة السيد عبدالله الميرغني، وعرض عليه منصب مفتي مكة إلا أنه أمتنع من قبوله تورعا، وكان ذا خط حسن فكتب بيده كثيرا من الكتب الكبار، إلى جانب اهتمامه بخدمة الأهالي في البلد الحرام.وكان عبدالعزيز بن محمد صالح ميرداد، خطاطا ينسخ الكتب الكبار لحسن خطه وسرعته في الكتابة، ومنهم الشيخ عبدالله بن محمد صالح ميرداد، الذي كان مدرسا في المسجد الحرام وله حلقة كبيرة، وتلقى عنه عدد من الطلبة كالشيخ عبدالستار الدهلوي المؤرخ، والشيخ عبدالقادر خوقير، والمؤرخ أحمد أمين بيت المال، والشيخ بكر كمال قاضي الطائف.

     

     

    الميرداد.. أسرة علمية تولت مشيخة الخطابة (1-3)

    منذ القرن 13 وأسرة الميرداد تسهم في نشر العلم بمكة (2 - 3)

مساهمة أسرة الميرداد في التعليم السعودي ونشر العلم لشرق آسيا (3 - 3)