والتاريخ الذي لا يظلم ولا يرحم هو من قام بهذه القسمة العادلة في القرن الماضي؛ ففي الوقت الذي كان ملوك أوروبا يزجُّون بشعوبهم في حرب سكرى لصناعة أمجادٍ شخصية وتحقيق مصالح مهما كانت مهمةً فإنها لا تستحق التضحية بـ(16) مليون إنسان، كان الملك عبدالعزيز يقود صفوة فرسان (آل سعود) لتوحيد أشلاء الجزيرة التي شبعت تمزيقاً، مقدمين أرواحهم قبل أي أحد بشعار: (نكون أولا نكون)!
وبينما كانوا يفتعلون الأسباب التافهة لتبرير مغامراتهم، كان عبدالعزيز يرفع راية التوحيد مصدر الأمن والسلام والوفاء منذ نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم؛ ليحقق أعظم وحدة عرفها التاريخ على هذه الصحراء القاسية!
وبينما كان ملوك القتل والدمار يستعدون لاقتسام تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) انحنى عبدالعزيز كالابن البار يكفكف دموع بلاده، ويجمع أبناءها تحت رايته المجيدة؛ ليقينه أن رهان أي زعيم حقيقي لا بد أن يكون على الداخل قبل وأثناء وبعد أي حسابات خارجية!
ولما ثارت الحرب الثانية وتشتَّتَ الزعماء بين هذا الطرف وذاك، قرر أن يظل على الحياد؛ صيانة لدولته، وحماية لوحدة شعبه الوفي، فلما انقشع الغبار عرف مع من تكون مصلحتنا!
كانوا يهدرون ثروات شعوبهم، وكانوا في كسادهم يتخبطون في طاحونةٍ لا يعرفون كيف ومتى تتوقف؛ وكان عبدالعزيز يبحث عن مصادر للدخل من روسيا وأوروبا، فاستقدم خبراء الجيولوجيا لعلهم يعثرون على ما يؤكد (حدسه) بأن النفط موجود في الضفة الغربية للخليج، ويقنع (بريطانيا) بالتنقيب عنه لتحتكر أكبر حقول النفط بعد عشرين عاماً من اكتشافه واستثماره في إيران، ولكنها أعرضت عن أحلام هذا البدوي؛ ليتجه إلى (أمريكا) اللاعب النشط الجديد الذي يريد أن يثبت حضوره بين العمالقة: فلله كيف علم وقتها أنها ستصبح سيدة العالم؟
وبينما جعلوا من شعوبهم كائنات تجارب لأهوائهم، كان عبدالعزيز يبدأ بنفسه ليقنع شعبه بأهمية الانتقال إلى العالم الحديث؛ حتى حين قرر استخدام الطيران كان هو ومجموعة من أبنائه ركابَ أول رحلةٍ محفوفة بالمخاطر وقتها!!
إنه بطلٌ يبذل نفسه في أمته، ولا يختزل أمته في شخصه!!