في مثل هذا الوقت من العام الماضي أخذ فيروس كورونا بالانتشار في محافظة جدة، حاصدا معه عددا من المعالجين والمرضى، أكثر بكثير مما كانت تعلن عنه وزارة الصحة.
وبعد نحو شهرين من التخبط والفشل في محاصرة الفيروس وتحديد البؤرة التي تسلل منها لمختلف مناطق المملكة، تمت إقالة وزير الصحة الأسبق الدكتور عبدالله الربيعة، وتكليف وزير العمل المهندس عادل فقيه لإنجاز المهمة.
كانت أولى وأهم الخطوات التي قام بها فقيه بعد محاصرة الفيروس ومسؤولي الوزارة المعنيين به، تشغيل مجمع الملك عبدالله الطبي (شمال جدة)، بعد استعانته بشركة أرامكو لتجهيز 100 غرفة عزل لمصابي كورونا وفق المعايير العالمية.
ولمعرفته بالعجز الكبير الذي تعانيه «الصحة» في كوادرها الطبية والتمريضية، استعان بأطباء أرامكو ومدينة الملك عبدالعزيز الطبية للحرس الوطني ومستشفى الملك فهد العسكري والجامعات، لتسريع تشغيل المجمع، إما بالتعاقد الكلي أو الجزئي، فنجح خلال فترة وجيزة بأن جعل للمحافظة مستشفى يثق به المرضى، بعد أن فقدوا هذا الشعور مع مستشفياتهم الحكومية.
بعد انتهاء تكليف المهندس فقيه وتعيين الدكتور محمد آل هيازع وزيرا للصحة، بُعث مسؤولو الصحة السابقون من مرقدهم، ليسيطروا على المشهد العام من جديد، ويجهضوا خلال 52 يوما فقط ما قام به فقيه طوال تسعة أشهر، وليتساقط بعد ذلك رجاله واحدا تلو الآخر، حتى أُعلن في نهاية ديسمبر الماضي تعليق العمل بالمجمع وإغلاق العناية المركزة به.
اليوم يعود مجمع الملك عبدالله للواجهة من جديد بعد أن أعلن مدير الشؤون الصحية بمحافظة جدة الدكتور مبارك عسيري تخصيص جزء من خدماته لاستيعاب الحالات المؤكدة من المصابين بفيروس كورونا لـ«الاستفادة من الإمكانات المتوفرة له».
وأنا هنا أسأل الدكتور عسيري: هل تعي أن عددا كبيرا من أطباء المجمع تركوا العمل وأغلقوا عياداتهم بعد أن ضُيق عليهم؟ وأن المجمع يديره مسؤوله المالي بعد استقالة مديره التنفيذي حمد الضويع؟ وأن الدكتور عمر تلمساني انتقل إلى بنك الدم في المنطقة الشرقية لعدم توفر اشتراطات السلامة الكاملة بالمختبر؟ وأن العيادات الأولية بها أطباء أطفال غير مؤهلين لعلاج كل الفئات وإعطائهم العلاج اللازم؟ وأن المجمع بعد موجة الاستقالات غير جاهز لاستقبال مرضى كورونا لعدم وجود أطباء الكلى والكبد والصدرية، إضافة إلى الفريق المختص والمتكامل بمكافحة العدوى؟
شخصيا لدي يقين بأن بعض مسؤولي الصحة عز عليهم أن يوجد مجمع طبي تحت منظومتهم يحقق الرعاية الصحية الصحيحة للمرضى ويذكرهم بعادل فقيه، فاتخذوا هذا الإجراء ليجعلوا منه بؤرة جديدة لكورونا، وبالتالي يسقطوه من ذاكرة الناس كما سقطت مستشفياتهم، وهو ما ينبغي أن يتنبه له الوزير الجديد أحمد الخطيب وهو يمشي وسط حقل ألغام «الصحة»، بأن يتحسس جيدا تحت قدميه، حتى لا ينفجر به أحد ألغامها، التي أطاحت بمن سبقه، فيما ظل زارعوها في أماكنهم آمنين.

[email protected]

alnowaisir@