بدأ الصراع التاريخي بين السلطة والمثقف في حادثة قتل عمِّنا الطيب (هابيل) الذي مات أعزب، على يد أخيه الحسود الغيور (قابيل) الذي أعرس وخلفنا!! والمثقف في القصة هو الزميل (الغُراب) الذي علَّمه كيف يواري سوأة أخيه؛ فمات (أبونا) كمداً لأنه عجز أن يكون مثله!
ورغم أن تعريف (المثقف) يشمل كل من يستلم سلطة سواء جاء من النخبة الأرستقراطية كـ(هرقل) أو جاء من الشعب كـ(نابليون بونابرت)، إلا أن التاريخ يسجل استعداءً عجيباً تبادر به السلطة كل من يخالفها الرأي من المثقفين! بل إنها في الغالب لا تنتظرهم حتى يعلنوا رأيهم أصلاً ؛كما حصل في «الثورة البلشفية»!
أما في بلادنا فإن «سلطة المجتمع» تحارب المثقف وتضع شتى العراقيل في طريق التنمية فتضطر الحكومة لفرضها؛ كما في التلفزيون، وتعليم البنات و... هل تعرف مثالاً باركه المجتمع فور إقراره؟
ولهذا يضطر الفيلسوف الشاعر/ «جاسم الصحيِّح» لاستهلال قصيدته الحلم السعودي/ «وطني» بتوضيح حسن نيته، ونفي الاتهام المجتمعي التقليدي لأي مثقف بعدم (الوطنية)؛ لاسيما إذا كان من مذهب أو تيارٍ أو توجه مخالفٍ للأغلبية (الشعبوية)! ويوجه خطابه للوطن؛ إذ لا فائدة من مخاطبة مجتمع صنَّفه سلفاً مخالفاً وضداً لمصلحته:
طيرُ السلامِ يعيش في «دِشداشتي» * ويُقيمُ وَسْطَ جيوبِها أوكارا
وطني.. وأقدسُ ما حقنْتُ به دمي * مَصْلٌ يقاوِمُ خنجراً غدَّارا:
جَلُّ «العِقالُ» فما أنا بمُساوِمٍ * فيه عِدادَ خُيوطِهِ أَقمارا
فَلَكٌ على رأسي يدورُ مهابَةً * ونجابةً وكرامةً وفَخَارا !
وكنا قد اقترحنا في ملتقى «آل بوخمسين» الحساوي تدريس هذا (الحلم السعودي) في كل مراحل التعليم، ولكن ما حدث هو العكس؛ فقد تراجعت جامعة أهلية كبيرة في الرياض عن دعوتها للشاعر؛ لعلة طائفية!
أما «وكالة الوزارة للشؤون الثقافية» فما الذي يدفعها أن تطلب من المثقفين تقديم (استجداء) عاطفي جياش كتعميم مدير الأندية الأدبية الجديد؛ لتتكرم بطباعة إنتاجهم، بدل أن تبادر هي وتفرِّغ الأكفاء للتأليف، وترصد الجوائز المغرية للإبداع؟ أليست عقدة: (الغراب.. يا وقعة سودا * جوِّزوه أحلى يمامة)؟!!!؟
الوطنية بتهمة الثقافة!!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
