محمود درويش يقول:أمشي على هدي البصيرةربما أعطي الحكاية سيرة شخصيةفالمفردات تسوسني وأسوسها، أنا شكلها، وهي التجلّي الحرلكن

قيل ما سأقوليسبقني غدٌ ماضأنا مَلِك الصدىلا عرش لي إلا الهوامشوالطريق هو الطريقة، ربما نسيَ الأوائل وصف شيء ما، أُحرّك فيه ذاكرة وحسّا
توقفت عند هذا النص كثيراً، فالشاعر يخبر بأنه قد قيل كل ما كان يفكر في قوله، لكنه يأمل أن الأوائل تركوا شيئاَ دون وصف حتى يصفه هو
فالتجارب والأحاسيس الإنسانية تتكرر، الحب، الكراهية، الفقد، الحنين والموت، كلها تجارب وأحاسيس مرّ ويمرّ بها البشر، أيّا كانت لغتهم أو موطنهم أو حتى أي فترة زمنية عاشوا فيها
إدراك هذه الحقيقة يجعلنا نوقن بأننا سنقع في التكرار، وهذه الحقيقة قد تكون هاجساً للأدباء، شعراء كانوا أو غير ذلك، فإنسان اليوم هو كالإنسان الأول، يحب ويكره، يخاف ويحزن، إلى بقية المشاعر التي يشترك فيها البشر
قد تكون ميزة الأدب أنه يعبر عن هذه المشاعر -المكررة منذ القدم والتي يمتلكها الجميع- بأساليب متعددة، فلو نظرنا مثلاً للشعر العربي القديم، هو يحمل عادة صيغة واحدة تجدها في كثير من القصائد، فهنالك البكاء على الأطلال، وصف الحبيبة، ووصف الراحلة
يمكن أن نقول إن هذه المكونات الثلاث موجودة في أكثر قصائد الشعر العربي القديم
فبسبب كون الشعراء يعيشون في ذات البيئة، ويمرون بذات التجارب وذات الأحاسيس جعلهم بطريقة ما متشابهين، قد نجد أكثر من قصيدة تحمل ذات المكونات لكن لا يمكن أن نقول عن القصائد أنها متشابهة، على الرغم من أنها بشكل ما متشابهة
نظرياً التعبير اللغوي غير محدود، لكنه بشكل ما يمشي في ظل الموروث اللغوي القديم، وهذا الموروث قد استنفد الأفكار، بمعنى أنه عرف عنها بطرق عديدة إلى درجة أن المساحة التي يمكن أن يضيف فيها المتأخرون أصبحت ضيقة
فلو أراد شخص أن يأتي بتعبير لغوي فهو إما سيقع في التكرار –أو تقليد القديم– أو سيأتي بتعبير جديد قد يراه الناظر شاذاً لأنه لا يشبه القديم
يختلف الأمر كثيراً حين نتكلم عن وسائل أخرى للتعبير كالرسم والموسيقى، فلم أسمع بموسيقى أو رسام يشتكي من نفاد الوسائل للتعبير، أو أن الأوائل قد استخدموا كل الوسائل الممكنة، ونجد هذه الشكوى حكراً على من يستخدم التعبير اللغوي، ربّما لأن اللغة لها قوانين أكثر تجعلها محدودة، فلا يمكنك مثلاً أن تأتي بحرف جديد أو كلمة جديدة، لكن في الرسم والموسيقى مثلاً هنالك مساحة أكبر للتعبير والتجديد
في رواية «سبعة» لغازي القصيبي، تحدثت شخصية الشاعر كثيراً عن هذه الفكرة، فالتكرار والتشابه في التعابير قد يقود إلى ما يسمى بـ»وقع الحافر على الحافر»، وهو أن تستخدم حرفياً تعبيراً قد تم استخدامه من سنوات بعيدة من قبل شخص لا تعرفه، ربّما التشابه البشري قاد إلى هذه النتيجة، أو ربّما محدودية اللغة هي السبب
من النقاط التي أثارتها الشخصية هي نقطة المفردات، فمفردة حزن مثلا، هل تصف حزن شخص فقد ماله كما تصف حزن شخص فقد حبيبته أو عائلته
فالفكرة هنا واحدة، الحزن، لكن اللفظ يجعل مستوى الحزن واحداً للاثنين
ربّما نسي الأوائل إيجاد مفردات جديدة لوصف المشاعر القديمة، وربّما تكون هذه إضافتنا للعالم بأن نأتي بتلك المفردات، وربّما قد يتطور الإنسان ويأتي بمشاعر جديدة لم يعرفها من سبقوه
في الأخير ستبقى هذه المقولة قائمة في قلب كل أديب: ربما نسيَ الأوائل وصف شيء ما، أُحرّك فيه ذاكرة وحسّا