ليس من المفاجئ أن اليابان تقوم بعكس سياستها بخصوص توليد الطاقة النووية. بعد كارثة فوكوشيما قرر البلد إيقاف صناعته النووية إلى حد كبير للقيام باختبارات تخص السلامة والبحث عن مصادر بديلة لتوليد الطاقة. تلك التجربة قادت إلى النظر إلى مصادر الطاقة المتجددة وإلى الوقود الأحفوري. لكن التكاليف الكبيرة المترافقة مع توليد الطاقة من الطاقة المتجددة، مثل الشمس، جعلتها غير اقتصادية. اضطرار المستهلك لدفع فواتير أعلى بنسبة 10-15% مما كان يدفعه سابقا للطاقة قبل إيقاف الصناعة النووية اليابانية أدى إلى إعادة التفكير بشكل عام من قبل صانعي السياسة اليابانيين. الأمر الآخر الذي استقطب الاهتمام في هذا التغيير الأساسي في السياسة هو أن البلد كان ينفق 4 مليارات دولار إضافية لاستيراد الوقود الأحفوري، ناهيك عن زيادة نسبة التلوث.
اليابان ليست البلد الوحيد الذي أعاد التفكير في الخيارات النووية. هناك دول أخرى تتجه نحو الطاقة النووية مقرونة مع مصادر الطاقة المتجددة لمكافحة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. بحسب تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية الصادر في سبتمبر، فإن كمية غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي وصلت إلى رقم قياسي جديد في 2013، بسبب زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون. بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية يؤيدها المؤشر السنوي لغاز الاحتباس الحراري الصادر عن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة الذي يقول إن مستويات ثاني أكسيد الكربون تشكل نحو 80% من غازات الاحتباس الحراري، و34% من زيادة الإشعاعات التي تسبب ارتفاع درجة الحرارة في العالم. الطاقة التي تعتمد على الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط تنبعث منها كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون. الصين تعاني من آثار سيئة بسبب اعتمادها الزائد على الفحم في توليد الطاقة، وهي أيضا في طريقها إلى توليد الطاقة النووية على نطاق واسع. الصين بنت أول مفاعل نووي في 1985، وهناك حاليا 14 مفاعلا قيد العمل و27 قيد الإنشاء في الصين.
من جهتها تأمل السعودية في أن تستخدم الطاقة النووية لتوليد 15% من احتياجاتها خلال العشرين سنة القادمة. هذا يعني إنتاج 18.000 ميجاواط من الطاقة من 12 مفاعلا نوويا ستكلف نحو 80 مليار دولار. السعودية تنوي أن تستثمر نحو 240 مليار دولار في التكنولوجيا الشمسية التي ستقلص تكاليف الإنتاج بنسبة 50%. فلماذا تستثمر السعودية كثيرا في الطاقة النووية والتكنولوجيا الشمسية المكلفة؟ بحسب مركز الدراسات الخليجية، معدل استهلاك الطاقة يصل إلى أكثر من 200 مليار كيلو واط ساعة، وهذا يعني أن كل فرد يستهلك نحو 6.000 كيلو واط ساعة. نصف هذه الكمية تستخدم لأغراض منزلية. السعودية تستخدم نحو مليار برميل من النفط سنويا لإنتاج حاجتها من الكهرباء، ولهذا فإن توجهها نحو الطاقة النووية والطاقة الشمسية يعتبر ضروريا.
الدور الذي يلعبه غاز ثاني أكسيد الكربون في زيادة التلوث يدعو إلى القلق. المناخ يتغير بسبب النشاطات الإنسانية مثل استخدام الوقود الأحفوري. تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي يزداد بسرعة في السنوات الأخيرة، ولذلك يجب عكس هذا التوجه بتخفيض انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون وباقي غازات الاحتباس الحراري.
ومع أن الدول الغنية بالموارد الطبيعية في الشرق الأوسط والدول الآسيوية ذات الاقتصادات القوية مثل اليابان والصين تستطيع أن تستثمر مبالغ ضخمة في التكنولوجيا الشمسية والنووية، إلا أن الدول الفقيرة مثل بنجلاديش لا تستطيع ذلك. مع الاستنزاف السريع لاحتياطي الغاز الطبيعي في بنجلاديش، يتجه البلد إلى الاعتماد على الفحم لتوليد الطاقة. جميع الدول الصناعية في العالم ذهبت في هذا الاتجاه وبنجلاديش ليست لديها خيار آخر. لكن ما يمكن عمله هو اختيار تكنولوجيا إنتاج الكهرباء من الفحم بحكمة. عدم القيام بذلك سيؤدي إلى كارثة بيئية. ومن ناحية ثانية، فإن الخيار النووي بدأ لتوه من خلال اتفاقيات ثنائية مع روسيا لبناء مفاعلين نوويين.
نحن بحاجة لتجريب جميع الخيارات الممكنة لتطوير قاعدة طاقة مستدامة. حاليا، هناك حديث عن تطوير مزيج من مصادر توليد الطاقة، الخطة الرئيسة ترى أنه يمكن إنتاج 50% من الطاقة بالاعتماد على الفحم بحلول عام 2030، ولكن لم يتم التوصل إلى تقدم حقيقي على أرض الواقع. لقد انقضى وقت الحديث عن مستقبل إمدادات الطاقة وآن الأوان لاتخاذ قرارات صعبة.