لا أعرف سببا واحدا يدعو للاختلاف حول مشروعية الاحتفاء والاحتفال باليوم أو العيد الوطني، ففي كل عام تثور هذه الضجة (هل يجوز أم لا يجوز)، وأنا أعرف أن محرمي الاحتفاء نوعان، نوع - وهم قلة - يخلطون بين الأعياد الدينية (الفطر والأضحى) وبين العيد الوطني، وهؤلاء يحتاجون تنويرا، ونوع - وهم الأكثرية - لا يؤمنون بشيء اسمه الوطن، وإنما الأمة والخلافة، وهؤلاء يخدمون مشروعا سياسيا للإسلام السياسي، بعضهم قد يجهله وبعضهم يخدمه بعلم ودراية. وعلى أي حال فولي الأمر الملك عبدالله بن عبدالعزيز حسم الخلاف ولم يمنع الاختلاف، إذ قرر - حفظه الله - هذا الاحتفاء والاحتفال، وجعل يوم الذكرى الوطنية إجازة للكل، وقال باختصار للمختلفين: هذا وطنكم فدعوا الاختلاف حول مشروعية الاحتفاء والاحتفال به، واحتفوا واحتفلوا به وفق ما يرى كل منكم من موقعه وإحساسه.
يوم العيد الوطني هو محطة للفخر والاعتزاز والفرح، وهو في ذات الوقت محطة للمراجعة والتأمل والتصحيح، هو فرح وفخر واعتزاز بوحدته الوطنية التي كانت وما زالت أعظم وحدة شهدها التاريخ الحديث، وهو فخر واعتزاز بمكانته التي حققها بين دول العالم سياسيا واقتصاديا، وهو فرح بأمنه واستقراره وسط عواصف الفوضى وزلازل الحروب التي تحيطه من كل الجهات، وهو ابتهاج بما في داخله من شواهد تطور ومعالم تقدم وملامح نهضة وآفاق تحضر، وهو يوم فخر بأبنائه المنتشرين اليوم في شتى بقاع الأرض طلاب علم ورسل سلام وناشري محبة، وهو يوم تكريس ثوابته في نفوس النشء (دينه القويم، ووحدته العظيمة، وقيادته الرشيدة).
وهو أيضا محطة للمراجعة والتصحيح، فحين ننظر على بعد أربعة وثمانين عاما، نجد أنها مسافة قصيرة في عمر الأمم والشعوب، ونجد أن ما تحقق خلالها من نمو ضخم وكبير ومبهج شواهده قائمة، لكننا حين نقيس ذلك بحجم الثروة ومقياس الإنجاز نجد أنه كان بالإمكان أفضل مما كان، فبقدر الإنجاز الضخم هناك أخطاء ضخمة، وهناك عدم توازن في النمو، وهي أخطاء واختلالات طبيعية لمن يعمل، لكن استمرارها أكثر فداحة من حدوثها، ولهذا فالتصحيح واجب، حتى تعتدل المسيرة ويتحقق التوازن، وما لم نفعل فسيبقى عيد الوطن فاقدا لنصف مضمونه مفرغا من معناه، فالبهجة والفخر لها مقومات، ومن أبرزها ألا نكابر على الخطأ، ولا نتجاوز الهفوات، فمما تفخر به الدول والشعوب أنها تعترف بأخطائها، وأنها لا تتجاوزها دون تصحيح وتمحيص.
إن وطننا الذي نفخر به ونعتز، يحتاج منا جهدا أكبر في مختلف المجالات، فهو بيتنا الكبير الذي يتحتم علينا أن نتفقد كل مكوناته ونرعاها بالصيانة والتجديد والتطوير والتحسين، وننظفه من كل ما علق به من شوائب مشوهة أو فاسدة أو قذرة، ونسترشد بالعلم في كل خطواتنا، ونعطي كل كفاءة حقها من الفرصة والتقدير.
وإذا كنا نردد دائما أن وطنا لا نحميه لا نستحق العيش فيه، فنحن محقون، فيجب أن نضيف أن وطنا لا نبنيه بعلم ووعي وكفاءة لا نستحق الفخر به.. وطننا عظيم ورائع، ومن الممكن أن يكون أعظم وأروع، فهو ونحن نستحق.