جاء يوم السلام العالمي 21 سبتمبر هذا العام والذي خصصته الجمعية العامة للأمم المتحدة لتعزيز المثل العليا للسلام في الأمم والشعوب وفي ما بينها، والكون يرزح تحت خطوط الحروب. فمن أوكرانيا إلى تنظيم داعش، ومن بلدان ثورات الربيع العربي التي تحولت مطالبها بالحرية والعدالة والحكم الرشيد إلى وبال على الحرية نفسها. وتحولت حياة الناس بعدها إلى جحيم لا يُطاق من اقتتال غير منقطع وغلاء وفقر وفوضى فاقت تلك التي صكّها مايكل ليدن صاحب نظرية “التدمير البنّاء”، كونها جاءت نقيضة لفوضاه الخلّاقة.
ومن لم تقتله بنادق داعش ورصاصات الأنظمة التي تحولت من أنظمة ديكتاتورية إلى أكثر وحشية يلقى حتفه تحت مدرعات إسرائيل وغاراتها. ومن لم تعجّل في أيامه الإيبولا التي شملت دولا أفريقية في شريط قد يتسع بعدما أعلن العالم هزيمته أمام هذا المرض، يتساوى عنده الموت الزؤام بكيماوي الأسد. ومن يسلم من كل ذلك يرحل بالسكتة القلبية من هول ما يرى من فظائع ويعايش من ظلم وواقع مر. من حقنا أن نتساءل أين هو السلام الذي تذهب كل دعائمه لتتضامن مع حالة اللاسلم العالمي.
تصر الأمم المتحدة على الاحتفال بهذا اليوم تحت شعار”حق الشعوب في السلم”، وهذه الأحقية لن تكون في مجرد شعارات تبسطها المنظمة العالمية المسؤولة عن الأمن والسلم العالميين، ولكنها إيمان وعقيدة ثم أسلوب حياة.
هذه هي الذكرى الثالثة والثلاثون منذ أن أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي للسلام في عام 1981م بموجب قرارها ليكون متزامنا مع موعد الجلسة الافتتاحية لدورة الجمعية العامة، التي تُعقد كل سنة في ثالث يوم ثلاثاء من شهر سبتمبر.
وإذا نظرنا إلى السنوات الماضية نجد أنّها من أسوأ الربعيات القرنية على مستوى التاريخ الحديث، منذ بدأ العالم يعي بأهمية السلم ومنذ تكوين الأمم المتحدة نفسها لحماية هذه المبادئ. ولم تفقها فظاعة غير حرب الثلاثين عاماً التي حدثت وقائعها بين عامي 1618 و1648م في الأراضي الألمانية وأدت إلى تدخل معظم القوى الأوروبية في ذاك العصر. وكان سبب الصراع دينياً بين الكاثوليك والبروتستانت تغلفه الأطماع السياسية على حكم أوروبا، لتنقسم المواقف بمساندة مذهب لآخر بسبب التنافس على الحكم. وكأي حرب فإنّ نتائجها كانت الأوبئة والمجاعات، ووقف الاقتتال بصلح وستفاليا الشهير عام 1648م، أي بعد ثلاثين عاماً ولكن آثار الاقتتال وتجدد الصراع في أوروبا فاقت الـ 300 عام.
وما الوضع الراهن في المنطقة العربية إلّا مماثل لما مرت به أوروبا قبل قرون واستوعبت الدرس جيّداً، ولكن العرب لم يستوعبوا حتى درس حرب البسوس التي استمرت أربعين عاماً. ومن التجربتين يتضح أنّ العالم مفطور على الاقتتال، وحالة السلم بين البشر قد تكون استثناء بالنظر في عوامل التنافس على البقاء.
وبالرغم مما يظلّل المنطقة العربية من وازع ديني وأخلاقي يجرّم كثيراً مما يحدث فيها، إلّا أنّ السائد هو انهيار الأخلاق والروح المتسامحة لدرجة التحول من الآدمية إلى الوحشية وكل ذلك يحدث باسم الإسلام الذي هو من أفعالهم براء. قد يأتي السلام ولكن ليس قبل النظر في انحسار المثل الدينية والوطنية، وسيادة جيل من الساسة يؤمنون بالعنف كأساس للحكم وجيل من المعارضين يؤمنون بالكراهية كأساس للنضال.
يرتبط السلام بأساس التنمية فالاحتفال بهذا اليوم لا يكون اقتصاراً عليه وإنّما للتذكير بوضع خطة زمنية يتم العمل فيها على نشر التعليم والوعي والتثقيف بأهمية حقوق الإنسان، والاعتراف بالآخر والتعايش معه وبناء جسور التواصل بين الشعوب والثقافات ولا يتحقق ذلك إلّا إذا قام على الأركان الرئيسة المحددة وهي: إقرار وصنع وحفظ وبناء السلام.
جاء هذا اليوم ليذكّر الناس بأنّ العالم سيكون أجمل لو كفّت الدول عن سباقها المحموم نحو التسلح والدمار. وأنّه بوقف سفك الدماء لا نكسب إنساناً فقط وإنّما تنمية وإعماراً لهذه الأرض التي جُعلنا فيها خلفاء.
البشرية ومسؤولية السلام
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
