حين نعيش ذكريات الوطن ومناسباته، وحين نحتفل باليوم الوطني على وجه الخصوص على مستوى الأفراد والمؤسسات، وحين تمتلئ الشوارع والأماكن العامة بالعبارات والكلمات والصور التي نُحيِّي بها وطننا الغالي، وحين تقام الفعاليات والبرامج والأنشطة المتنوعة بمناسبة اليوم الوطني، وتشارك في تنفيذها مختلف المؤسسات الوطنية العامة والخاصة، فإننا قبل هذا ومع هذا وبعد هذا ينبغي أن ندرك ونؤمن بأن الوطن كيان وهوية قبل أن يكون مكوِّنا ماديّا.
وإذا ما أدركنا “قيمة” الوطن، وأهمية الإيمان بها، وبأن هذا الوطن ليس مجرد مأوى أو مكان نعيش ونأكل ونشرب فيه، فإنه ينبغي أن نجسد هذا الإيمان وهذه القيمة بالعمل والعطاء والإخلاص للوطن، كل في موقعه الوظيفي والاجتماعي، وبقدر ما يمكنه تقديمه من عطاء.
إن ما نشاهده ونقرأ عنه ونسمع به أحيانا من مظاهر متنوعة تشير إلى الإهمال والتقصير والتجاوز واستغلال السلطة أو المواقع الوظيفية والاجتماعية المتنفذة، كلها شواهد على أن أصحابها أو المشاركين في تنفيذها أو المتعاطين لها لديهم خلل كبير في الموازنة بين حب الذات وحب الوطن، بل إن هذه المظاهر تؤكد أن الذات في فكر هؤلاء لها الأولوية، وأن المصلحة الشخصية في نظرهم مقدمة على المصلحة العامة.
المواطَنة مسؤولية، ومقدَّرات الوطن وثرواته وبنيته المادية ومصالح المواطنين أمانة كبيرة يجب النهوض بها، والإخلال بذلك أو التقصير عنه أو التقاعس عن أدائه كلها أمور تتنافى مع مبادئ المواطَنة الصادقة.
مئات الصكوك حين يتم تزويرها من قبل بعض المعنيين بالقضاء، والملايين التي يتم نهبها أو سرقتها تحت أغطية غير مشروعة وبطرق قد تعجز الجهات المعنية بمحاربة الفساد عن كشفها، والمشاريع التي يتم تنفيذها بمستوى متردٍّ وغير مقبول، وغير ذلك مما يندرج في هذا الإطار، كلها مؤشرات وأدلة على أن من يمارسون هذه التصرفات لا يؤمنون بقيمة الوطن ومقدراته وحق الأجيال القادمة في أن تعيش على أرضه حياة كريمة.
وكذلك المؤسسات الوطنية الخاصة حين يكون همها فقط الانتفاع، وامتصاص الوطن والمواطن، ويسيطر عليها هاجس الربح فقط، ويكون مبدؤها الحصول على كل شيء وعدم تقديم أي شيء، فهذه كلها مظاهر وصور للخلل في تصور معنى المواطَنة، ودليل على الأنانية وتقديم المصلحة الذاتية النفعية على المصلحة الوطنية العليا.
وتبقى ثقافة العمل اليومي لدينا خير شاهد على هذا الإشكال الذي نعانيه؛ إذ يعمل كثير من الموظفين صغارا وكبارا بمعزل عن الشعور الوطني، أو لا يستشعر أحدهم حين يؤدي الخدمة أن الإخلاص والتفاني والصدق في هذا العمل الذي يؤديه هو واجب ديني أولا ثم هو واجب وطني ثانيا، ولذلك تجد صنوف التحايل والتقاعس عن العمل، وتجد سوءا في الاتصال أو التواصل مع الشريحة المعنية أو المستفيدة، ومن هنا تشكلت لدينا ثقافة عمل سلبية يمارسها كثير من الموظفين على اختلاف درجاتهم الوظيفية، وهي في أساسها قائمة على التأخر في الحضور، والتثاقل عن أداء المهام والأعمال والواجبات، واختلاق الأعذار والأسباب التي يرى أنها قد تسوغ أو تبرر له الغياب عن العمل، فضلا عن ممارسة الأساليب غير المقبولة مع المعني بالاتصال بهم أو المستفيدين من الخدمة التي يقوم عليها.
إن الإنسان الذي يرتبط معيار حبه لوطنه فقط بمدى حصوله على جوانب مادية أو مركز وظيفي أو اجتماعي قد يكون لا يستحقه يبقى إنسانا نفعيّا ومستهلِكا فحسب، ولا يمكن أن تتجسد لديه مبادئ العطاء والإخلاص والقيم الوطنية العليا التي هي المكون الأساس للمواطَنة الصادقة والعطاء المخلص.
متى سيكون الوطن وقيمته حاضرين في ذهن الموظف والمدرس ورجل الأعمال وكل مواطن أو مسؤول مهما كان مركزه الوظيفي؟ في تلك اللحظة وحين يحضر الوطن والمواطن ويُستشعر حقهما سيكون ذلك حافزا على العمل والعطاء، وحين يغيبان ويغيب قبل ذلك الضمير ستكون النتيجة سلبية، وستكون المصلحة الذاتية هي المحور والأساس.
لن تُجدي الخطط الاستراتيجية والتصورات المستقبلية للخدمات والمؤسسات الوطنية وحدها ما لم يكن هناك إيمان وطني حقيقي لدى الأفراد القائمين على التنفيذ والتشغيل، وثقافة عمل جادة وصادقة، تنطلق من الإيمان بالله والإيمان بأن هذا هو حق الوطن وحق الأجيال القادمة، وأن الفرد أيّا كان مستواه التعليمي ومركزه الوظيفي قيمته في إخلاصه وعمله وعطائه، لأن هذا الوطن يستحق منا الكثير والكثير.
الوطن قيمة قبل أن يكون مكوِّنا ماديّا
مفلح زابن القحطاني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
