“..لم يتعود عقله التفكير مطلقا، ولم يكن له رأي يستقر عليه، لأنه كان يقرأ ولا يفكر، وهو سبّاق لإبداء الرأي، لإرضاء كبريائه وغروره وولعه بالظهور، فلهج بالمعارضة واللجاج، فإذا قال محدثه يمين قال شمال، وإن قال أبيض قال أسود، ثم يندفع في النقاش بعنف واحتداد وضيق صدر، حتى ليوشك أن يأخذ بتلابيب محدثه!” (نجيب محفوظ واصفا أحمد عاكف بطل روايته خان الخليلي).
أزعم أن شخصية أحمد عاكف بطل رواية خان الخليلي (1946) لنجيب محفوظ (1911-2006) هي إحدى أهم الشخصيات الروائية في الأدب العربي. ولا أتحدث هنا عن البراعة المحفوظية في رسم الشخصية، داخل سياق الأحداث المتدفقة في الرواية، فقد سبقني إلى ذلك المئات من النقاد العرب والعالميين، وسبقتني لجنة جائزة نوبل للآداب التي منحته الجائزة الرفيعة عام 1988، لكنني أشير إلى نجاحه المذهل في رسم شخصية داخل رواية مكتوبة منذ حوالي سبعين عاما، لكنها ما تزال تشخص بدقة مرعبة مرضا عضالا يكاد يعصف بالعقل الجمعي العربي في لحظتنا الراهنة!
فهل تظنون مشكلتنا أننا أمة لا تقرأ؟
دعوني إذن أستند إلى العملاق الراحل نجيب محفوظ، لأقول لكم إن مشكلتنا الحقيقية هي أن الذين يقرؤون بيننا، إنما يقرؤون الكتابات الخاطئة، بالطريقة الخاطئة!
كان أحمد عاكف قارئا متوحشا، يلتهم بعينيه السطور والصفحات، ساعات متتالية كل يوم، وكان عقله كمعدة الجائع المشرف على الموت سغبا، لا يميز بين الكتب، فتارة يقرأ في القانون، وتارة يقرأ في الفيزياء والكيمياء، وأخرى يقرأ كتب السحر وتحضير الجان!
حتى انتهى به الحال، كما تعرض الرواية، وقد صار مدمنا لقراءة الكتب القديمة الصفراء، وعلى رأسها الرسائل المطولة الغامضة الملتبسة لإخوان الوفا وخلان الصفا، والمكتوبة في القرن الثالث الهجري، العاشر الميلادي..وكلما استزاد من الاطلاع على نشأة الكون من (جمرة النار المدفونة في أعماق البحار) وعلى (الاسطقسات التي تتكون منها الكليات والجزئيات) إلى آخر هذا اللغو الذي يبدو محملا بالمعاني العميقة، بينما هو ليس أكثر من كلام فارغ، تسلى بكتابته جماعة من العجائز قبل أكثر من ألف سنة..كلما استزاد أحمد عاكف من هذه (العلوم) – وما هي بعلوم- ازدادت ذاته تضخما، وأحس أنه المكلف من قبل العناية الإلهية بتنوير الأمة الجاهلة، وازداد عنفه في الجدال، دفاعا عن أي رأي يبديه اليوم، حتى وإن كان متناقضا مع الرأي الذي أبداه بالأمس، فالمهم بالنسبة له، بعد أن قرأ (ألف كتاب)، ليس الرأي في حد ذاته، بل ارتباط الرأي بشخصه الذي تحول – في ذهنه هو- إلى منبع للعلوم، وأصبح ذا عقل معصوم من الخطأ، كل ما يصدر عنه من كلام هو صحيح بالضرورة، لمجرد أنه صادر عن أحمد عاكف الذي قرأ!
ولا يتسع المقام هنا لأحكي لكم كيف صُدم أحمد عاكف صدمة مُروعة حين واجهه شاب جالسه في المقهى بأسماء فرويد وماركس ونيتشه، هؤلاء الذين أسسوا بأفكارهم للقرن العشرين، ولم يكن صديقنا عاكف وقد جاوز الأربعين يعرف عنهم شيئا على الإطلاق، لأنه لم يكن قد انتهى بعد من قراءة مفكري القرن العاشر الميلادي!
لكنني بدلا من الاستطراد، سأوصيكم بقراءة الرواية الجميلة المهمة، وأختتم مقالي كالتالي:
نحن أمة تعاني مُر المعاناة من نسبة أمية مخجلة، وحتى الذين يستطيعون القراءة من العرب، هم في معظمهم غير مهتمين بالقراءة، أو أنهم لا يملكون ترف القراءة انشغالا بالبحث الشاق عن لقمة العيش، لكن هذا كله ليس أخطر ما نعاني منه الآن!
فالأميون وكارهو القراءة والمنصرفون عنها، أهون شرا من هؤلاء الذين يظنون أنفسهم قد جمعوا علم الدنيا والآخرة، بمجرد انتهائهم من قراءة كتاب أو كتابين أو حتى ألف كتاب، بغير تدبر وتأمل، وبلا موقف نقدي مما يحشون به عقولهم.
والأمية والانصراف عن القراءة أقل تكديرا لصفو الأمة من الانشغال بقراءة كتب الشعوذة والدجل والتشدد والتطرف.
إن القراءة – دون انتقاء ودون تفكير- قد تكون وسيلة للتسمم الذاتي، وقلّتها – في هذه الحالة - أحسن!
التسمم بالقراءة!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
