حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أعمال البر التي تنجي صاحبها من النار وتدخله الجنة، أفاض فيها وذكر منها أبوابا لا يلتفت لها الناس في العادة، وقد يستقلونها فلا تنهض لها هممهم.
ومن أكثر المواضع التي جاء فيها تفصيل هذه الأعمال ما جاء في بيان قوله صلى الله عليه وسلم (على كل سلامى من الناس صدقة) والمقصود بالسلامى هنا عظام الإنسان التي ورد في نصوص أخرى أن عددها ثلاثمائة وستون عظما، فالمسلم مطالب بأن يتصدق كل يوم بما ينجي كل أعضائه من النار، وحين قال صلى الله عليه وسلم ذلك ظن بعض الصحابة أن في الأمر مشقة وصعوبة فدلهم صلى الله عليه وسلم على عدد كبير من هذه الأبواب.
ومما ذكر الإصلاح بين المتخاصمين وإعانة الرجل على ركوب دابته وحمل متاعه عليها، والكلمة الطيبة، وكل خطوة يمشيها العبد إلى المسجد، وإماطة الأذى عن الطريق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذكر الله، والإفصاح عن الأرتم وهو الذي لا يبين لعلة في لسانه أو لعجمته، وإعانة ذي الحاجة الملهوف، والبيان لمن في سمعه شيء، أو لمن في بصره شيء، ودلالة المستدل على حاجته، وطلاقة الوجه، وإيناس المستوحش، وإعانة الأخرق، وغيرها من أعمال البر التي تناولت جوانب مختلفة متصلة بحياة الناس وصلة أطراف المجتمع ببعضها.
وقد أراد بعض الصحابة استقصاء الأمر معه صلى الله عليه وسلم فأوردوا عليه سؤالا يقصدون به الاستزادة، فقالوا: فإن لم يستطع شيئا من ذلك، كما في بعض ألفاظ الأحاديث التي تضمنت ذكر الأعمال التي سبق ذكر بعضها فقال صلى الله عليه وسلم فليمسك عن الشر فإنه صدقة، وهذه السعة الممتدة من أعمال الخير والإحسان والعطاء المتعدي لا تجعل لأحد عذرا في أن يتزود منها بحسب حاله، ولو بأدنى قدر متاح منها، وهو المعنى الذي تكرر كثيرا في السنة كما في قوله صلى الله عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة، وقوله: بلغوا عني ولو آية، والمقصود من هذا كله أن يتحرك المسلم للعطاء على الدوام تحصيلا للأجر ونفعا للمجتمع ولا تحده حدود إلا من جهة همته وقدرته هو.