قد يكون أكثر ما نحتاج إليه اليوم ونحن نحتفل بأرضنا الطيبة هو البحث عن المشتركات الكبيرة، واستبعاد المفرقات الصغيرة، وإشاعة روح المودة والصفاء في ظل تجاذبات وفتن تحيط بنا. اليوم يجب
تعميق مفهوم المواطنة المرتبطة بالوطن الذي لا يقبل تقسيم المواطنة إلى درجات. لا إلى طبقية ولا إلى عصبية قبلية أو حزبية حتى وإن كانت دينية.
على الرغم مما وصل إليه الفكر الغربي في معنى مفهوم المواطنة الحقيقية وتطبيقها بشكل يحفظ فيه حقوق مواطنيه إلا أنه ما زال يشهد في العالم العربي بعض التدخلات مع مفهوم الانتماء، وقد بدا ذلك لنا جلياً مع بزوغ ما يسمى بالربيع العربي، فهوية الانتماء لم تكن واضحة وعميقة، لذلك سهل اختراقها وتفريقها عن طريق جماعات وأحزاب، فضاعت الحقوق، وسفكت الدماء، وانتهكت الأعراض، وهدد كيان الوطن القطري الذي يعتبر مفهوماً ثابتاً محدد العوامل.
إن تقديم أي مفهوم آخر على الوطن هو مفهوم عابر لحدود، وهو مفهوم متحرك لا يتسق مع العلاقات الدولية المعاصرة التي تتعامل مع الأوطان عبر حدود قطرية واضحة، وللأسف مع تصارع الأحداث في المنطقة بدأنا نكتشف أن بعضاً من أبناء وطننا انتماءاتهم وولاؤهم في اتجاهٍ آخر، خارج حدود الوطن، وهذا يكشف عمق حال التباعد وغياب الانتماء الحقيقي للوطن، ولذلك عندما أعلنت داعش دولتها المزعومة تسابق إلى مبايعتها ومباركتها كثير من أبناء هذا الوطن سواء بالعلن أو بالخفاء، لماذا؟ لأنهم لم ينتموا يوماً إلى هذا الوطن ولم يستشعروا معنى المواطنة الحقيقية، التي تحيا وتموت في وجه من يريد المساس أو التعدي عليه.
وكما أننا نطالب بضرورة غرس وتعزيز روح المواطنة لدى النشء في المدرسة والبيت وتزويدهم بالمعارف النّظرية والعملية عن جميع مكونات وطنهم، فإن ذلك لن يكتمل إلا بتوفر مجموعة من الحقوق والواجبات التي تكفلها الدولة عبر مؤسساتها الحكومية، كالعدل والمساواة، والحرية، فتحقيق هذه المطالب الثلاث يبني سياجاً متيناً لا يمكن اختراقه بسهولة.
الآن المملكة تتصدر العالم الإسلامي وينظر لها كملهمة له لكنها تبقى رغم ذلك تحت مجهر منظمات دولية ترى بأنها تواجه صعوبات على خطوط عدة مثل تعميق الانتماء والتعددية وقبول الآخر وأيضاً الحرية والمشاركة السياسية في ظل المتغيرات العالمية الحالية.
كل عام ومملكتنا الحبيبة بألف خير.

