رائع أن تجد زوجين يحبان بعضهما وهذا كثير، وأروع - فوق حبهما - أن يكونا صديقين، فإذا كان الحب يعمر بيت الزوجية، فإن الصداقة تحمي حبهما وبيتهما من عواصف الزمن وزلازل الاختلاف، وهكذا كانت شقيقتي (عيشه) وزوجها صديقي الأعز وأخي الأكبر (محمد عبدالله عيده الغامدي) رحمه الله، الذي تعلمت منه أشياء كثيرة منذ أن كنت يافعا، فقد اقترن بأختي التي تكبرني بأعوام قليلة وأنا في بداية المرحلة المتوسطة، واقترنت بشقيقته بعد ذلك بنحو ثماني سنوات، ومنذ ذلك الزمن وهو يعلمني ليس بتنظيره، فهو قليل الكلام، وإنما بفعله وسلوكياته، إذ كانت أختي - كما ذكرت أعلاه - تعيش معه حبيبة وصديقة، وبره بوالديه - رحمهما الله - كان كبيرا وعظيما، أما صلته للرحم فقد كانت نموذجية فعلا، بل مبالغ فيها إذ كان حتى وهو في أشد حالات مرضه يتحامل على نفسه لزيارة إحدى بنات أخواته، أو أحد أقاربه في مناسبة أو حال مرض أو فرح، متجاهلا تعبه ومرضه الذي يقدره الجميع، وهذا يقود إلى مستوى صبره وتحمله وجلده وقسوته على نفسه في سبيل الآخرين، إذ كان دائماً وحتى اللحظات الأولى لإصابته بالجلطة الدماغية التي مات بسببها، لا يحب إزعاج أحد بحاله مطلقا، فقد كان يؤثر الآخرين على نفسه وهو في أشد حالات الحاجة إليهم، تقول أختي إنه حين أصابته الجلطة فجر الثلاثاء الماضي وقالت له إنها ستدعو ابنه الحبيب (أصغر أولاده)، كان يشير لها بيده وهو يعاني ألا تزعجيه، باعتباره عريسا لم يمض على زواجه سوى أشهر قليلة، الله الله يا أبا عبدالله؛ ألهذه الدرجة يغلب حنانك حاجتك، أنت صورة نادرة للإنسانية.
عندما مات خالي (عطية) قبل نحو أربعين سنة، وهو متزوج من خالتي (رحمة) أخت محمد لأبيه، تكفل رحيمي بأبنائه الأربعة وابنتيه، وصار وصيا عليهم وحفيا بهم وأمهم، حتى أصبحوا اليوم رجالا ونساء يفخر بهم الوطن وأهلهم، وكانوا مع أبنائه الثلاثة وبناته الخمس أكثر من حزن وأحزننا لفراقه، فهو كافل أيتام، وهو معلم ترجم معرفته وقدراته وخبراته على مدار خمس وثلاثين سنة في تربية إخوانه وأبنائه وبناته، الذين أصبحوا في حياته يحصدون النجاح تلو النجاح في تعليمهم وعملهم.
قلت لأختي الحبيبة؛ لا تحزني فمحمد لم ولن يموت، فـ (سعيد ومحسن وحسن) أشقاؤه رموز نجاح وهو قدوتهم وأستاذهم ومربيهم، و(عبدالله وعطية وعماد) أبناؤه ملؤوا نفسه وعطروا روحه ببرهم وخدمتهم له في صحته ومرضه، وفوق ذلك ومعه أسعدوكما بنجاحاتهم في أعمالهم وحياتهم، وسيكونون امتدادا طبيعيا لأخلاق أبيهم وسيرته العطرة أما زهراته الخمس (شريفة وحصة وأمل وأماني وهناء) وقد كن بهجته وذروة نشوته، فهن أمهات ومربيات جيل، ومعلمات أخلاق، ومترعات بالعلم والمعرفة والوعي، لقد بنى محمد وزوجته أسرة رائعة متحابة متعلمة واعية، فكان حصادهما في مستوى الطموح وغاية المنى.
رحم الله أبا عبدالله، لقد كان صديقا وأخا ليس لي فقط بل لكثيرين ممن أعرفهم، وكان عونا لكثيرين ممن أعرف ومن لا أعرف، بكلامه ودعمه المادي والمعنوي، كان - رحمه الله - معلما حقيقيا في عمله التربوي الطويل، وفي مرضه المضني المرهق، وحتى في موته الذي كان منتظرا في أي لحظة، فقد ودع الدنيا وهو راضٍ بما قدره الله، فقد كان يشعر بدنو الأجل لكنه كان يدعو الله أن يمهله حتى يتزوج أصغر أولاده وقد حدث، تزوج عماد منذ أشهر، وبعد الحفلة وقد كان منتشيا سعيدا، قال لي: مرحباً بالموت الآن أو غداً، وبكيته من حينها، لكن البكاء والحزن لا يعيدان حبيبا ولا صديقا. إنا لله وإنا اليه راجعون.