انتهت من محاضرتها والتفتت إلى الفتيات مودعة لهن بابتسامة، وخرجت من باب القاعة لتجد إحداهن في انتظارها قائلة (ممكن أستاذة أمشي معاكي للبوابة؟) ردت عليها بترحيب (أكيد) وهي تخفي دهشتها، لأن هذه الفتاة ذات المظهر المتحفظ، خلافا لكل الفتيات لم تحاول يوما التفاعل معها خارج المحاضرة أبدا.
بدأ بينهما حوار بسيط، وفجأة أخذت الفتاة نفسا عميقا وقالت وهي مطأطئة الرأس (أستاذة كيف انتي كده؟) ردت عليها باستغراب (كيف أنا كده في ايش؟) ردت بصوت تجلت فيه الحيرة (كيف كده انتي تلبسي وتتشيكي وتحطي مكياج وتتكلمي إنجليزي ومنفتحة وفي نفس الوقت تصومي يوم الاثنين وتصلي بينا جماعة وتقولي لنا قال الله وقال الرسول؟؟).
مع الانفتاح والعولمة وسهولة التنقل وسرعة انتشار المعلومات وتأثير الإعلام، أصبح تصنيف الناس أصعب وأصعب، وأصبح توقع تصرفاتهم وأشكالهم وطريقة حياتهم يكاد يكون ضربا من المستحيل.
فقد انتهى عصر القوالب الجاهزة التي يرتبط فيها شكل فلان بنوعية معينة من التصرفات.
وجاء عصر التنوعات والتناقضات الإنسانية.
فصرنا نرى ملتحيا يفجر من حوله، ومغنيا تعبر أغانيه عن الحب والقيم والسلام.
وامرأة اكتست السواد فما ظهر منها حتى عين، وأخرى كشفت عن وجهها أو حتى شعرها استشعرت دورها الإنساني وطمحت لأن يصل خيرها للعالم، ولنا في الوزيرة السويدية المسلمة عايدة الحاج، والدبلوماسية السعودية منال رضوان بعض من مثال.
أعتذر منكم فلربما زادتكم كلماتي حيرة، ولربما أملتم أن تجدوا فيها موقفا صارما ومحددا يقول هذا صح فاتبعوه، وهذا خطأ فاجتنبوه، كما اعتدنا في تعليمنا وتنشئتنا.
ولكن الحياة ليست بهذه السهولة، ليست أسود قاتما أو أبيض ناصعا، بل هي درجات من الرمادي تنوعت تدرجاته بتنوع اختلافاتنا البشرية وقناعاتنا الإنسانية.
فقد انتهى عصر الحكم على الناس من نافذة معتقداتنا الشخصية أو المجتمعية، فهذا العالم أكبر منا بكثير، ولننافس ونتصدر فيه كأمة، نحتاج أن نتمسك بالثوابت ونركز على المقاصد.
وأخيرا لنتفكر قليلا، ترى ما هي معايير الصلاح؟ هل هي مظاهر وطريقة لباس؟ أم أعمال صالحة وإنجازات للإنسان؟
heba.
q@makkahnp.
com
منال في كل مكان
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
