أظن أننا في زمن ابتعد فيه كثير من الناس عن جوهر الدين وأسسه الراسخة، فجنحوا نحو الانشغال بالشكليات، وممارسة الطقوس بمقابل إهمال الجانب السلوكي، الذي يتجلى من خلال التعامل والاحتكاك بعامة الناس على اختلاف انتماءاتهم ومذاهبهم ومللهم، وهو أمر يمكن ملاحظته على مستوى الأفراد والجماعات، ولا جرم أن لذلك انعكاساته السلبية على المسلمين، وعلى سمعة الإسلام عالمياً، حتى صار المسلم موضع شك وريبة في جل الدول التي لا تدين بالإسلام، وما ذاك إلا بسبب الفهم الضيق للدين الحنيف ووسطيته من قبل بعض من ينتمون إليه؛ إذ إنهم شكلوا صورة ذهنية عنه لدى الآخرين - ربما من حيث لا يعلمون - جعلتهم يتوجسون خيفة من أتباعه.
على مستوى الجماعات نجد أحزابا وطوائف تدعي الإسلام وتتحدث باسمه ليل نهار، بيد أنها لا تتورع عن خداع الأمة، فتُظهر التمسك بالحق والدفاع عنه، وتُخفي وراء قولها كل بلاء، فلا غرابة أن يكون قادة الجماعة عملاء لجهات أجنبية معادية للعرب والمسلمين، ولقد رأينا من تصرفات هذه الطوائف ما يندى له الجبين، من ترويع للآمنين، وقتل للأبرياء دون وجه حق، وأفعال لا يقبلها دين، ولا يستسيغها عقل راشد، وبعد كل هذا يتحدثون عن الدين والحرص على اتباع منهجه، ويدعون كذباً أنهم يطبقون شرع الله فيما يفعلون.
أما على مستوى الأفراد، فدونكم أناس نرى عليهم علامات الصلاح والورع من تقصير اللباس وإعفاء اللحى، ووعظ العباد في تجمعاتهم، إلا أننا نكتشف من بعضهم تعاملا وأخلاقا تنافي سماحة الإسلام، إلى جانب تشدد في صغائر الأمور، يرافقه توسع في دائرة المحرمات، وثمة من وصل إلى اعتناق أفكار متطرفة، تعادي كل ما عليه مجتمعه، وقس على هذا من تراه يؤدي صلاته في المسجد ثم تجده يغش في بيعه، ولا يصدق في حديثه، وقد يحتقر المساكين، ويتجبر عليهم، ويرائي الناس في عمله، وزد على ما سلف صنفا غريبا، يلتزم نهجا معينا داخل بلده، ويُجبر أهله ومن تحت ولايته عليه، لكنه في بلد آخر يمارس ما لا يخطر على بال، ثم إن هناك مؤسسات خدمية تعمد إلى إسباغ صبغة دينية على نشاطاتها؛ كي تجد قبولاً وتجذب العملاء لبضاعتها.
وما أود أن ننتهي إليه هو أن لبس عباءة الدين لأجل مصالح دنيوية، أو من قبل قوم
لديهم قصور في فهم مقاصد الشرع، أو خلل فكري يصاحبه هوى وتأثر بقناعات ما أنزل الله بها من سلطان، كل ذلك محصلته النهائية لا تحمد عقباها سواء على ذات الشخص أو على محيطه، بل وحتى على الدين الإسلامي من جانب نفور من لا يعلمون حقيقته منه ومن أهله.