لا بد أن أستغل مقدمة هذه المقالة لأمرر رؤية نقدية مهمة تتعلق بأعظم فنان ساخر في عصرنا الحديث، وأقصد به السيد المُهاب “الفساد”، وسرّ عظمة هذا الجهبذ لا تكمن فقط في جرأته المتناهية وإقدامه الواثق وتقمّص أعلى درجات الشجاعة والصدق، بل تتعدى ذلك لقدرته على أن يجعلك “تموت من الضحك” وهو يبدو بكامل جدّيته ورزانته، ويجعلك “تموت من الضحك” مرة أُخرى وهو يسخر منك بطريقة مُضحكة، فهل رأيتم من قبل شخصية قادرة على أن تجعلك تموت مرتين؟ والغريب أنك تُلدغ مرتين من نفس السلاح المُميت.. سلاح (الضحك)!
أما القضية التي دندن حولها عنوان المقال فهي القضية التي عُرفت إعلاميا بـ(قضية فساد تعليم حائل)، وهي قضية اتهام عدد من القيادات (18 شخصاً) بإدارة التربية والتعليم بمنطقة حائل بفساد مالي واستغلال نفوذ ورشوة وتزوير، وتمت إدانة أغلبهم في ذلك الوقت، قبل أن يتم تبرئتهم جميعاً ونقضت محكمة الاستئناف الحكم، وقد تساءلت في مقال نُشر بعد صدور حكم الاستئناف (بجريدة الشرق) وبينت أنني لا أشك مطلقاً بنزاهة القضاء، كما أن المتهمين (كأشخاص) ليسوا هم - بالنسبة لي كمواطن – حجر الزاوية، القضية تتعلق (بملايين الريالات) التي استدعي هؤلاء للتحقيق في (اختفائها)، فالحكم برأ أشخاصا، لكنه لم يعد المال الضائع، القضية أغلقت ببراءة المتهمين، لكن الملايين ربما أكلها (ذئبٌ ما) ونحن عنها غافلون!
ما دعاني للحديث حول هذه القضية (المُغلقة) ما نشره الصحفي الزميل بندر العمار في هذه الصحيفة يوم الخميس الماضي تحت عنوان (المحكمة ترفض شكوى مقاول ضد تعليم حائل)، والرابط بين القضية (المُغلقة) وخبر الزميل يكاد يكون هو (المفتاح) لفهم نفسية السيد الساخر العظيم الذي ذكرناه في بداية المقال. المقاول السعودي يطالب إدارة التعليم بتسديد مبالغ بقيمة 494500 ريال، نظير مشروع تركيب مظلات في مدرسة مشار الابتدائية، إلى هنا والخبر جاد وبملامح صارمة تُشبه صياغة الأخبار، لكن الساخر في الموضوع أن المدرسة المذكورة (ما فيها مظلات أصلاً حتى الآن)!
مدير المباني مشعل القرين أوضح في رد عن استفسار المشرف العام على الإدارة القانونية بالوزارة أحمد الزهير أن (مشروع المدرسة المشار إليها لم يتم تنفيذه، وذلك بعد معاينتها) وأضاف – حسب صحيفة مكة – (أنه لا يوجد لديهم أوراق خاصة بالمؤسسة المذكورة!)، انتهى كلامه ولم أضف عليه سوى علامة التعجب في نهاية الجملة.
أنا لن أخوض في التفاصيل ليس لأن الشيطان يكمن هناك، لكنني أعلن تبرعي للتطوع بدون مقابل للبحث عن المظلات المفقودة، بشرط ألا تشكل لجنة لمساعدتي وإنما يترك ذلك لي بالاعتماد على معرفتي لحواري المدينة أولاً، ولثقتي في فراستي العربية ثانياً!
أظن أنني عرضت ما أستطيع القيام به حسب قدرات “الأعراب”، أما بقية التفاصيل التي لا أفهمها فإنني سأُحيلها للأستاذ عبدالرحمن بن أحمد العجلان، مساعد نائب رئيس هيئة مكافحة الفساد لمتابعة الأنظمة والمخالفات بالهيئة الذي تواصل معي مرتين بعد نشر مقالين لي هنا بصحيفة مكة، وفي كل اتصال أفشل في أن أستوعب الطريقة التي يعتبر بها الفساد (فسادا حسب تعريف النظام)، لكنني ما زلت متمسكاً برأيي في أن الفساد يمكن رؤيته (بالعين المجردة).
الآن الأمر أكثر وضوحاً، مقاول يريد حقوقه مقابل بناء المظلات، فيما المظلات التي يدّعي تنفيذها غير موجودة، وأنا هُنا لا أشكك في نزاهة المقاول، ولا أشكك بنزاهة التعليم أيضاً، ولأثبت حسن نواياي فإنني لا أستبعد أن يكون هنالك خطأ قد وقع بالفعل، فاسم المدرسة مشار وهو أيضاً اسم لأشهر المعالم الطبيعية بحائل (وادي مشار)، فربما المقاول بنى المظلات في الوادي (المنتزه)، وبهذه الحالة نطلب من المقاول أن يُطالب البلدية وليس إدارة التعليم، المهم بالنسبة لي ألا تضيع حقوق المقاول!
هل تعيد "جرأة المقاول" قضية فساد تعليم حائل للسطح؟!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
