حكاية الأردن مع الغاز المسال، تحكي في الواقع الاقتصادي لهذا البلد قصة واحدة من النكبات المسببة للاحتقان في الأوطان. فقد ضرب الإرهابيون خط الغاز الذي يمر في سيناء ويزود الأردن بهذه الطاقة اللازمة للطبخ والتدفئة والإنارة والدفيئيات الزراعية وللقطاع الصناعي. وأصبح جلب الغاز إلى الأردن سبباً في مشقة اقتصادية إضافية ولأكلاف باهظة، جعلت قطاع الكهرباء يسجل خسارة متوقعة يبلغ قدرها ملياري دولار (1450 مليون دينار أردني) حتى نهاية هذا العام. وفي مواجهة هذه المصاعب، ألقت سياسات المحاور العربية بظلالها على الأمر، إذ لم تكن حاجة الأردنيين للتزود بالغاز بأسعار اقتصادية مناسبة، ضمن أولويات دول منتجة، تبذل الكثير من المقدرات في سياق السجالات وأكلافها الإعلامية وأعطياتها.
ولكون أسعار الطاقة، هي أحد عناصر تفجر الغضب الشعبي في الأقطار الفقيرة؛ بات الحصول على الغاز بأسعار تنافسية، ومن أية جهة جاء، هو خيار الأردن، بعد إغلاق خط الأنابيب المصري، بأفاعيل المخربين. أما الدولة في مصر، فقد علقت من تلقاء نفسها، اتفاقية الغاز المجحفة، مع إسرائيل التي كانت تحصل عليه ترفاً ويغطي لها نحو 60% من احتياجاتها الداخلية. أما إنتاج إسرائيل نفسها، فهو للتصدير.
وفي الآونة الأخيرة، وقع الأردن على ورقة نوايا شراء، ولاحق هذه الخطوة رفض شعبي، ليصبح الأردن بين شقي الرحى: إما أن يبحث عن الغاز من أماكن بعيدة بكُلفة عالية مع محاذير رفع الأسعار في السوق المحلية، أو أن يستورد غازاً من إسرائيل، فتغامر الحكومة بهذه الخطوة التي تثير ردود أفعال لا تحمد عقباها، وسط إقليم متوتر وتتداخل فيه عوامل الانفجار.
يحدث هذا كله، كأحد نتائج الجموح المجنون للقوى المتطرفة التي بات شغلها الشاغل، هدم مقومات الدولة في كل بلد، وجلب الغزاة والمتدخلين بجيوشهم. وفي الحسبة النهائية، يكون هؤلاء الإرهابيون جلابي خراب واستعمار، ومعطلين للتنمية، وممزقين للنسيج الاجتماعي.
إسرائيل، من جهتها، أقامت قاعدة إنتاج واسعة للمشتقات البترولية، وأقامت مستودعات للتخزين. وفي هذا الإطار نشأ لديها ما يُسمى “اقتصاد الغاز الطبيعي” وأصبح قطاع الطاقة، هو أحد أهم الروافد المغذية للاقتصاد الإسرائيلي. وفضلاً عن استمرار استخراج الغاز من الساحل قبالة حيفا، ضمنت إسرائيل مصادر تزودها بالنفط الخام، ومعظمه من روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق، وأخيراً من المنطقة الكردية في العراق. ولم يحدث هذا إلا في غياب التأثير العربي وتراجع الدبلوماسية العربية واقتصار تركيزها على مسألة المساعدات أو التسلح أو دفع شرور الإرهاب.
وبات صعباً على العرب، ملاحقة خطوط التوغل الإسرائيلي في العالم. ولم يعد استيراد النفط الخام عسيراً بالنسبة لها، وهي تمتلك مصفاتين للبترول تنتج كلاهما المشتقات البترولية للاستهلاك والتصدير، إحداهما مصفاة “بازان” في حيفا التي أنشأها البريطانيون في العام 1938 وجرى توسيعها وتطويرها على مر السنين، ومصفاة إسدود التي تمتلكها مجموعة “باز” للطاقة.
لقد وقع الأردن “ورقة نوايا” في نوفمبر الماضي، مع إحدى الشركات الإسرائيلية ــ الأمريكية للتزود بـ300 مليون قدم من الغاز يومياً لمدة خمسة عشر عاماً، وبقيمة إجمالية تبلغ 15 مليار دولار. غير أن التنفيذ يواجه عقبات كبرى، من أهمها الرفض الشعبي للعلاقة الاقتصادية مع إسرائيل، في الوقت الذي أصبحت فيه المقاطعة، هي الجواب المنطقي على ممارساتها العدوانية. وبات الأردن أمام مأزق ومحنة حقيقية على هذا الصعيد.
فالمتطرفون باسم الدين، أوقفوا عجلة التنمية، وجعلوا الجزء الأعظم من المقدرات يذهب للوقاية الأمنية منهم، وقرصنوا على اليسير الذي كان قائماً من أوجه التعاون بين الاقتصادات العربية، وبات من يساعدون أحوج إلى المساعدة، وهذه واحدة من أفاعيل تخريب الأوطان وإيذاء الشعوب.
الإرهاب والخراب: الغاز بُرهاناً
عدلي صادق3 دقائق للقراءة

حجم الخط
