إنني من جيل يحسن الوفاء، ويجيدُ توقيت رد الجميل.. وليس أنسب من هذا الوقت ومصر تحاول مخلصة الوقوف على قدميها من جديد والنهوض من كبوة لطف الله بمصر حين أعانها على ما أريد بها من شر وتمزيق.. فألهم شعبها وجيشها في الثلاثين من يونيو.. للخروج بعشرات الملايين رافضة استمرار من سرقوا ثورتها الأولى وقفزوا عليها متدثرين بأردية من الدين خادعة.. ولم يكن لهم من هم سوى الدنيا.. وألهم الله قوات مصر المسلحة وقائدها العام.. الذي حذر وأنذر وأعطى من الوقت مهلة للعودة إلى جادة الصواب.
ولقد قيض الله سبحانه وتعالى لهذه الثورة، وليس الانقلاب، كامل الأسباب.. حين انبرى حكيم العرب خادم الحرمين الشريفين مسانداً وداعماً لإرادة الشعب المصري الأبي.. وداعماً لقوات مصر المسلحة ولزعيمها الرئيس عبدالفتاح السيسي، ولم ينتظر أبناء زايد البررة فكانوا الصدى لذلك النداء الحازم والأمين الذي أطلقه الملك عبدالله.. ووصل صوتهم إلى العالم يتقدمه الشيخ خليفة وأخوه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
ولقد أوضحت للمصريين في ذلك المؤتمر الذي نظمته مؤسسة أخبار اليوم الصحفية، وأمام دولة رئيس وزراء مصر ووزرائها المختصين بالاقتصاد والتنمية وكبار المدعوين، وما يربو على الألف حاضر بين شيخ وشاب، أنني محب لمصر لدرجة قد تفوق حب بعضهم لها وهم من ولدوا على أرضها فتمصروا بالفطرة، أما حبي لها فلأنني مدين لها بفضل المعلم المصري، والطبيب المصري، والجامعة المصرية، وقبل ذلك حباً في الله الذي ذكرها في قرآنه، وحباً في رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) الذي أوصانا بمصر خيراً، ولقد صدق الملك المؤسس عبدالعزيز حين أكد مراراً أن مصر والمملكة العربية السعودية هما جناحا هذه الأمة. ومصر اليوم هي نصف العرب إذا أصابها رشح عطس العرب له.
ومصر ما تزال مركز الوسطية المعتدلة بمنارة أزهرها الشامخ، الذي ظل على مدار ألف سنة يدافع عن المنهج الصحيح، ويعمق مفهومه شرقاً وغرباً، ولم يزل ضمير الأمة المصرية، والذي كرم في الأيام الماضية مليكنا وقائدنا المفدى خادم الحرمين الشريفين (يحفظه الله) بمنحه شهادة الدكتوراه الفخرية وهي ليست شهادة عادية تمنح للمجاملة أو المداهنة، فالأزهر لم يمنحها في الأربعين سنة الماضية إلا لثلاث شخصيات فقط، كانت الأولى في هذه الحقبة لرائد التنمية وباني نهضة ماليزيا الحديثة السيد/ مهاتير محمد، وكانت الثانية للأمير البريطاني ولي العهد الأمير تشارلز، تلك الشخصية التي أدهشت شيوخ الأزهر بحجم ما تعرفه عن الإسلام بقناعة وإلمام، ثم جاء الموعد الأزهري الثالث مع ملك الإنسانية والسلام، الذي يملك كما أكدوا رؤية استراتيجية جنبت مصر في هذا الوقت الولوج في نفق مظلم لا يعلم هوله ومداه إلا الله جل في علاه، ومستنداً إلى جدار حب متين. صارحت المصريين وتحدثت معهم صراحة وعلى الهواء مباشرة، أننا ما زلنا في عالمنا العربي أسرى لمفهوم خاطئ لبعض الألفاظ والمصطلحات، ولا بد من تحريرها، فقد اعتدنا في الأربعين سنة الماضية، أن نتكلم عن حقوق بلا واجبات، وفهمنا كلمة عبادة فهماً خاطئاً، وذكرتهم أن غاية الكون هي عبادة الله وهو القائل عز وجل: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” ولكننا اختصرنا العبادة في بعض الأزمنة الظلامية، في الزهد والتقشف والانكسار والدروشة، والضعف والتخاذل، ورسولنا العظيم يقول: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”، صلى الله عليه وسلم.
ونسينا مهمة الإنسان الأولى وأمانته التي رفضتها السموات والأرض وأشفقت الجبال منها ومن حملها، تلك هي إعمار الأرض، وقلت قياساً على هذا فإن الغرب يعبد الله أكثر منا.
لقد صارحت حتى المنظمين والذين استضافوني: إن مؤتمركم هذا هو خطوة على طريق النجاح.
وإنه من المهم أن تتصف السياسات المالية والنقدية والضريبية بالوضوح الشديد، بلا غموض، وبالبساطة بلا تعقيد، حتى تكون أهداف الدولة واضحة تخدمها سياسات مستقرة، تخلق بالتالي بيئة ملائمة للإنماء والتشغيل والاستثمار... ولكن الأمر قد يتطلب عاماً أو أكثر.
وتحريراً للألفاظ: أشرت إلى أنه لا بد من التفريق بين مدلول كلمة (العدل) وبين (تكافؤ الفرص) و(المساواة)، فتكافؤ الفرص مطلوب حتى يفرغ كل صاحب مهارة جهده وطاقته من أجل الإنتاج والإبداع، أما المساواة في معناها المطلق فليست ممكنة، فالناس ليسوا متساوين إلا في الخلق؛ ذلك أن خالقهم واحد.
وبعد ذلك يأتي الاختلاف في العلم بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ويأتي الاختلاف في العمل، بين الذين يعملون والذين لا يعملون، وبالتالي يختلف الكسب، كسب الدنيا وكسب الآخرة.
وأشرت في صراحة وبغير مجاملة انطلاقاً من نية حسنة وقصداً لإرضاء الله تعالى، إلى أن مصر مرت بثورات وثورات، ولكنها اليوم في حاجة إلى ثورة قانونية، وإلا فسنجد أنفسنا نعود إلى قوانين محنطة من عهد خفرع ومنقرع، لكل من شاء بلع.
ويعلم الله أنني لم أكن أبحث من خلف هذه المشاركة عن منبر أو شهرة أو كي يقال: قال فلان، ولكنها كلمة الحق التي اعتدت قولها دون مواربة أو هدف شخصي.
ومن هنا جاء تفاعل الأعزاء في مصر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي العالم العربي مطمئناً ومريحاً ومنصفاً (حتى الآن) فليس من المستبعد أن يظهر غداً أو بعد غد من لا تروقه أفكاري، وهذا حق، فنحن في الأسرة الواحدة نختلف ونتفاوت في طرق التفكير ومعتقداته الفلسفية، ولكننا لا نخرج عن إطار الاحترام العام.
فكما تريد مني أن أتقبل فكرك، فإن عليك أن تقبل فكري -دون تطبيق- فلولا الاختلاف المحمود لما وصلنا في كثير من الأوقات إلى الواقع الموجود. إن إبداء الرأي حق مشروع لكل كائن حي، فبدون رأي لا تكون للإنسان كينونة ولا يستقيم كيانه.
وأعجبني الشافعي وهو يقول بكل علمه وفقهه: رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
وبهذه المعادلة المنطقية العادلة، يكون للرأي كيان حقيقي عند كل الأطراف، والخطأ الفعلي الذي لا يحتمل الصواب أبداً، هو ذلك الرأي الذي بني أساساً على خطأ. وحماية للحوار البناء، من الواجب أن تكون الألفاظ والمصطلحات التي بني عليها الرأي واضحة جلية، بحيث لا تحتمل الفهم العكسي. ومن هنا فإن من الصالح العام أن يتطابق المعنى الحقيقي مع أكبر عدد ممكن من الناس لأن هذه المسألة هامة جداً لأي حوار يراد به البناء في الأسرة أو الدولة أو الأمة، وصولاً إلى حوار الحضارات.

 

1- النية الطيبة تخدم راعيها (1)

2- النية الحسنة تخدم راعيها (2)

3- النية الحسنة تخدم راعيها (3)