والسعودي مسلم بالفطرة والانتماء، لكن ليس كلنا سلفيون ولا وهابيون فالمسلمون مذاهب وطوائف وطرائق، وهذا أمر طبيعي ولا غرابة فيه، الغريب العجيب أن تتبنى دولة من الدول مذهبا أو طريقة أو ينتمي نظامها لطائفة ثم يريد أن يحكم الكل بقانون وفقه المذهب أو الطائفة، ولا يكتفي بالحكم والإخضاع، بل يتجاوز ذلك إلى تكفير وتجريم من لا ينتمي لمذهب الحكم أو طائفة السلطة، وبالتالي التنكيل والحرمان والقتل وغير ذلك من صور الظلم التي لا تحصى.
الدولة الدينية أو المذهبية دولة زائلة لا محالة فكل معطيات موتها موجودة في تأسيسها وآلية حكمها، وقد يطول الأمد بها لعوامل المال وغيره، وقد يقصر، لكنها دولة زائلة لا محالة، ودول الأمويين والعباسيين ومن تلاهم أكبر دليل فقد أصبحوا أدلة على عجز الأيديولوجيا في تكوين دولة تعيش أمدا طويلا، وهكذا دول الرومان والفرس وغيرهم ممن كان لهم (شنة ورنة)، انتهوا وكأن لم يكونوا ولا بواكي لهم.
الملك عبدالعزيز لم يقم دولته الحديثة على أيديولوجيا، لا مذهبية ولا طائفية ولا حزبية، أقام دولة جديدة على قواعد الإسلام وأركانه الواضحة، وهي دولة دستورها العدل، وهو دستور متعارف عليه إنسانيا قبل الدين، وجاء الإسلام ليكرسه، والإسلام العظيم مظلة كبرى لكل المذاهب والطوائف وغيرها، فكل من نطق الشهادتين أصبح مسلما، والله أعلم بنيته، فالنيات والثواب والعقاب على العبادات من اختصاص الخالق العظيم، ولا علاقة لمخلوق بها، والذين يتدخلون في نوايا الناس ويفسرونها ويحاسبون عليها يشركون أنفسهم في اختصاص رب العباد الذي يعلم السر وأخفى، والرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام أكد على ذلك وهو يقول (أشققت عن قلبه) في الحديث المشهور الصحيح، لأن المطلوب هو النطق بالشهادتين لعصمة الدم والمال والعرض، أما أعمال القلب فالله وحده العليم الخبير.
إن التفتيش في نوايا الناس لم يحدث إلا في الدول الدينية التي يقوم فيها رجال الدين بدور الحكام، بل يصبح حتى الحكام خاضعين لسلطتهم، ويجب ألا نذهب بعيدا، فأنموذج إيران حي يرزق حيث كل السلطات بيد ولي الفقيه، وتحت هذه الولاية الدينية تقوم ديمقراطية صورية، فيما لا يستطيع رئيس الدولة المنتخب ولا مجلس وزرائه أن يبتون في أمر لا يوافق عليه ولي الفقيه لا في السياسية الداخلية ولا الخارجية، وخامنئي (وقبله الخميني) هو المتصرف الحاكم، وعصيانه يعد معصية لله، لأنه يتمتع بالعصمة التي يتمتع بها الإمام المختبئ في السرداب، وهذا يتلقى أوامره من الله ويوحي بها إلى وليه النائب عنه حتى يخرج، وهي خرافة هدفها سياسي بحت، وتم تكريسها عبر عقيدة مضللة.
نصوص القرآن والسنة الصحيحة واضحة، فإذا سمعت من يجتهد تفسيرا وتأويلا، ثم يفتي أو يصدر حكما من أي مذهب كان هذا المجتهد وأي طائفة، ويقول (هذا أمر أو حكم الله ورسوله) فاعرف أنه إما جاهل وإما مفتئت على الله ورسوله لأهداف دنيوية، وإذا سمعت أو قرأت من يدعي أن المملكة دولة مذهب أو طائفة أيا كانت فهو إما يجهل معنى ما يدعيه أو يدعو إليه، وإما أنه يريدها دولة دينية، ومعروف ماذا تعني الدولة الدينية لدعاتها ومدعيها، وإيران كما قلت أنموذجها الواضح المعاصر.
المملكة دولة إسلامية لا مذهبية: إيران أنموذج الدولة الدينية
قينان الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
