أعاد التسجيل الصوتي لمناقشة رسالة الدكتوراه للناقد سعيد السريحي، والذي بثته «مكة» أمس الأول، فرز الأسماء التي شهدتها تلك الحقبة من عام 1408، سواء المعارضين لحق السريحي في نيل الدرجة، أو الصامتين على حرمانه منها، أو الأصوات القليلة التي دافعت عنه، ومنها الدكتور مرزوق بن تنباك الذي نشر مقالة بتاريخ 2 /6 /1409، في صحيفة الرياض،وتعيد «مكة» نشرها اليوم. المتابعون لقضية السريحي اليوم يقولون «ما أشبه الليلة بالبارحة» إذ إن المطالبات بعدم مصادرة الرأي الآخر واحترامه هي ذاتها، ففيما جهر ابن تنباك في مقالته «انج سعد فقد هلك سعيد» بعدم مصادرة رأي السريحي وثمرة عقله، وطالب باحترام فكره وإن اختلفنا معه، طالب مثقفون اليوم بنفس المطالب، بعد أن استمعوا لما انفردت به الصحيفة من تسجيل صوتي للمناقشة الشهيرة، وتبعات القضية.
وذهب بعض المتابعين للقضية، عبر تويتر إلى أن الفارق في هذا الزمن، وبرغم توحد المطالب، هو أن العقول والأجيال وعت معنى مأزق رفض الآخر ومعنى ضرورة إحقاق الحق وإقامة العدالة، فانعكس ذلك على تفاعلاتهم أمس، وأصروا على كشف بقية الحقائق ولماذا صمت التيار الذي تآزر على حجب درجة الدكتوراه عن السريحي.
وتساءل الدكتور عوض المويعزي عن مبررات غياب صوت المتهمين في سحب الدرجة، ورأى الروائي والشاعر عبدالله ثابت أن السريحي مجني عليه في هذه القضية ولكنه كان شجاعا وموقفه أصبح بعد نشر التسجيل الصوتي للمناقشة أقوى.
وخلال 48 ساعة تصاعدت وتيرة التغريد في هاشتاق #أعيدوا_الدكتوراة_للسريحي وهاشتاق #أعيدوا_الدكتوراه_للسريحي وضما الكثير من آراء المثقفين والمتابعين، إذ رأى الكاتب الدكتور حمود أبوطالب أن القضية برمتها تصلح لأن تكون رسالة دكتوراه أخرى، فالسريحي خلطة إبداعية نادرة.
وشدد الدكتور حسن النعمي على أن الحق لا يسقط بالتقادم قائلا «السريحي الآن يكسب مرتين، مرة حين رفض الخضوع لطلب الكلية بإعداد رسالة بديلة، ومرة بانتصار مقولة إن الحقوق لا تسقط بالتقادم».
ومن خلال جدل سحب الدكتوراه، يظهر طرفان في القضية: معترضون على رسالة السريحي، وصامتون إزاء ما تعرض له.
المعترضون
1 - صالح بن حميد
كتب تقريرا ضد رسالة السريحي، على إثره اتخذ مجلس الجامعة قراره بسحب درجة الدكتوراه.
اتصلت «مكة» بسكرتير الشيخ، الدكتور خالد السعيد، فاعتذر عن الرد، وأحال إلى سكرتير آخر خاص وهو بدر المقيرن، ولكنه لم يجب.
2 - محمود زيني
شارك مع ابن حميد في كتابة التقرير ضد رسالة السريحي.
رفض الإفصاح عن التقرير، وقال «هذا قرار مجلس الجامعة، اتصلوا بهم أو بابن حميد، ما عندي جواب لكم، فالتقرير كتبته للمجلس وليس لكم».
الصامتون
1 - راشد الراجح:
مدير الجامعة في تلك الفترة ورئيس مجلس الجامعة الذي اتخذ قرار حجب الدرجة، ووافق على منع حصول السريحي على الدرجة.
لم يجب على اتصالات «مكة»
2 - عليان الحازمي:
عميد كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى في تلك الفترة قبل أن تحال العمادة للدكتور محمد مريسي
يقول «كنت وقتها عميدا لكلية اللغة العربية، وطُلب من السريحي بعض التعديلات ولا أدري بعدها هل أكملها أم لا؟ لأني تركت بعدها عمادة الكلية ليستلمها الدكتور محمد الحارثي، وتغيرت اللجنة بلجنة أخرى، وقد سمعت أنه مُنح الدرجة ولكن بعد أن كتبت فيه عدة تقارير من أساتذة في الجامعة سُحبت منه، وعن تفاصيل أخرى بالقضية أضاف فأحتاج لوقت لمراجعة الملفات بهذا التاريخ لأنه مضى على ذلك وقت طويل، ولكني أستدرك وأقول مجلس الجامعة وقتذاك كان هو السلطة المهيمنة والذي له القرار الفصل، ولكن في الأعراف الأكاديمية إذا أصر مجلس الكلية على رأيه بمنح الدرجة، فترفع للمجلس الأعلى للجامعة ليبت في المسألة».
3 - محمد مريسي الحارثي:
عميد كلية اللغة العربية بأم القرى بعد الدكتور عليان
«لم يكن بيدي -أي القرار- فمجلس الكلية وافق على منحه درجة الدكتوراه، ولكن الرفض بالإجماع كان من قبل مجلس الجامعة بأعضائه الـ35»
<<انج سعد فقد هلك سعيد>> مقال للكاتب مرزوق بن تنباك - نشر في صحيفة الرياض 2 جمادى الآخرة 1409
مثل عربي قديم ذكرته وأنا أقرأ شيئا يشبه هذا المثل عندنا وليس في كلامي تورية ولا ضرب للأمثال لكنه كلام مباشر لا خفاء فيه، إن الشبه هو أحد المثقفين في بلادنا التي تمد خطوها وتبدأ إلى مشروع الثقافة العالمية والمحلية لتنال حظها غير منقوص الجانب، وهو شاب مثقف وهب قدرة يحس بها جمال اللغة فيشرق معنى الإحساس في حوائجه الخضراء ويملأ عليها وجدانه المرهف وخياله الشاعر فينظم ذلك في جمل لا يدرك دلالتها كثير من الناس، وقد استعمل عقله وسخر ملكات الإبداع لديه للغوص في ثقافتنا العربية الأصيلة واحتضنته جامعاتنا، ولم يرغب أن يحتوي عقله وفكره حضارة غربية ولا اختار جامعة أجنبية، ولو شاء لكان له مثل أبناء جيله الذين تعددوا في رحاب واسعة من العالم واتصلوا بجامعاته ومراكز ثقافته.
هذا الشاب العارف بوظيفته الكلمة الفنية، قال رأيه ناقدا في مجال الأدب وكاتبا في الصحافة وشاعرا وناثرا وله أن يقول ذلك فهو قادر على الإبداع ولنا أن نرفض ما يقوله أو نقبله.
وقد قرأت لسعيد قبل أن أراه ورأيته ولم ألقه واستمعت إليه ولم أدخل في نقاش معه، كان يكتب ما يعجب القراء وينظر فيما يكتب أشد الناس انصرافاً عن مبدأ النقد والأدب، وكان فيما يطرح مثقفا ومحاورا جيدا يثير الحسد في نفوس أهل الصناعة.
وكان ما يرضيني عن الرجل ثقافته العربية الواسعة والواعدة بنتها جامعاتنا الوطنية ونشأت على أرضنا المقدسة ولم يكن لها مصدر غير مصدر ثقافتنا الخالدة فأكبرت جهده، وكنت أستشهد بسعيد كلما قال القائلون: إن الجامعات العربية ومناهجها لا تخرج المبدعين ولا ترعى مواهب الموهوبين، وإن كل مبدع في البلاد العربية كان لثقافته ولإبداعه مصدر يبتعد به عنا فهو خريج إحدى الجامعات المشهورة في الخارج، وعندما أغضب من هذا الادعاء وأقلب صفحات عن أسماء لامعة في ثقافتنا الحاضرة لا أجد حجة أدحض بها ما يقول القائلون في سعيد.
ولعل هذا سر رضاي عنه مع اختلافي معه، فهو أول أستاذ نقرؤه ونحتج به ونجعله شاهدا على أن جامعاتنا ترعى الإبداع وفي مناهجها تعميق للأصالة لكن الفرحة لم تتم والحجة به لم تقو فظهر في الأفق خطر الحرمان، وبدأنا نسمع ما لا نصدق، وهل يصدق أحد أن يحرم الرجل ثمرات عقله وملكات إبداعه، وأن مؤسسة علمية تحافظ على مبدأ الأمانة والعدل يصح أن تستثمر جهوده وعقله حتى ينضج ثمر غرسه ثم تحصده بين يديه وتذره مع عواصف الريح.
من حقها ومن حقنا أن نرفض رأي الرجل في النقد ورأيه في البلاغة العربية وندحض كل حجة أتى بها بالحجة الأقوى، لكن ليس من حق أحد أن يحرق مكتسبات الآخرين الذهنية والفكرية وملكاتهم الإبداعية إذا كان رأيه لا يتفق مع ما يرون في قضايا الأدب والشعر والنقد والبلاغة، وإذا خيل إلينا أن سعيدا شهر علينا سيفا فمن حقنا أن نجرد سيوفنا ونستعين بالملايين من أمثالنا على أن تكون من نوع السيف الذي رفعه الرجل وهو سيف النقد الأدبي في وجوهنا ثم نناجزه حتى يتحقق العدل والمماثلة.. وليس فينا ضعيف عن مقارعة الحجة بأختها وسوف ننتصر إذا كان الحق معنا، أما استعمال القوة الإدارية البعيدة عن العلم والموضوعية فهي لا تليق بالمؤسسات الأكاديمية والتربوية.
إن هذه البلاد حفظها الله وحفظ أهلها وحفظ القائمين عليها لم يسبق أن جعلت الحرمان نصيبا لأحد من أبنائها، ولم يذكر في تاريخها أنها سلكت غير مسلك العدل، إنني لا أعرف سعيداً هذا معرفة شخصية ولا أتفق معه في كل شيء، بل إنني أقف منه مثل موقف الآخرين، لكن هناك تقاليد علمية ومبادئ نتفق عليها، وهناك أسس نؤمن بها ولا نريد أن يختل الميزان العادل فيها.
إن الدرجة العلمية التي استحقها الرجل بعلمه وانطبقت عليها المقاييس المنهجية كاملة، ومنحتها له هيئات أكاديمية مسؤولة لا يجوز لأحد أن يحرمه منها، ولو تم الحرمان لكان بداية مؤسفة في تاريخ جامعاتنا كلها.
ونحن مع ذلك نحترم آراء شخصيات لها في نفوسنا موقع عظيم ولها في جامعاتنا مكانة رائدة ونحن متأكدون أن ريادتها ومكانتها العلمية تتسعان للرأي والرأي الآخر في حدود أدب الإسلام وسلوك المسلم ومقاصد الشريعة وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
تسجيل السريحي يفرز التهم ويبعث مقالة الـ28 عاما
7 دقائق للقراءة

حجم الخط
