أغلب المجتمعات العربية تتعدد فيها الطوائف على اختلاف في نسبتها من بلد إلى آخر
ففي مصر ينقسم المجتمع إلى مسلمين وأقباط بتعبير أكثر لطفا كعادة المصريين، وفي السودان كذلك قبل الانقسام، وفي اليمن مسلمون ويهود، وفي العراق مسلمون ومسيحيون وصابئة وغيرهم، وفي لبنان ذات الطوائف، وفي سورية، وفي غيرها
وهذه الطوائف كانت محترمة وما زالت كذلك في وعي الإنسان المسلم الذي لم يتشوه عقله ودينه، برغم ما يحدث من وقت لآخر من حروب وفتن بين هذه الطوائف بسبب النفسيات الطائفية التي تشعل النار كلما وجدت إلى ذلك سبيلا
الطائفية في السنوات الأخيرة لم تعد بين مسلم وغير مسلم، بل تعدت ذلك إلى الطائفية داخل الدين الواحد وتجاوزت أبعد من ذلك إلى الطائفية داخل المذهب الواحد
فالمسلمون في البلاد العربية طوائف، والمسيحيون طوائف، واليهود طوائف، وكل طائفة تنقسم إلى طائفتين أو أكثر
الانقسام إلى طوائف لا يمثل المشكلة، لأن كل طائفة تمثل قناعاتها وإيمانها بمبدأ يتفق عليه أفرادها، ولهم الحق المكفول في ذلك دينا وعرفا عالميا وقانونا دوليا
الخطر الأكبر هو الشعور بالطائفة أكثر من الشعور بالوطن والمجتمع، والانتماء إلى الطائفة قبل الانتماء إلى المجتمع، وتقديم المصلحة الطائفية على مصلحة البلد
إن الطائفية باختصار هي تقليص الوطن والمجتمع بكل تفاصيله في صندوق صغير مظلم اسمه الطائفية
الطائفية الآن تتعمق في المجتمع العربي، فالقبيلة المتهمة بالعنصرية الآن تتجه نحو الطائفية، وبعد أن كانت عنصريتها في حدود الاستعلاء على الآخرين، باتت الآن تنتصر لعنصرها دون حساب لشيء، وتتكتل داخل المجتمع على أساس الانتماء القبلي، وهي ظاهرة لا تظهر جلية إلا في المناطق المضطربة، وهي في ظل الدولة القوية لا تخلو من بعض الممارسات
ليس شرطا أن تكون الطائفية مرتبطة بدين، بل تطلق على كل تجمع قائم على أي مبدأ من المبادئ يكون شعارا لهذا التجمع، من هنا فالقبيلة أو الجماعة أو الحزب وأمثالها هي طوائف في حقيقتها، ولكنها تبقى في حدود المشروع ما لم تتحول هذه التجمعات إلى كيانات في مقابلة الوطن والمجتمع والمصلحة العامة
وعلى هذا الأساس فنحن العرب مجتمع بدأت الطائفية تتغلغل فيه مذهبيا وقبليا ودينيا، وأصبحنا نسمع في المجالس العامة والمنتديات وعلى المنابر وفي مدرجات الملاعب الرياضية شعارات طائفية
وفي مجتمعاتنا طبقية جاءت على أسس من القبلية و من الصناعات والمهن ومن المناطقية الجهوية ومن الشعوبية «أي بحسب الانتماءات إلى الشعوب التي جاؤوا منها» وهكذا، فهذه الطبقية تحولت إلى طائفية مستترة بسبب الجاهلية التي تعيشها المجتمعات العربية
وما هو أفظع من ذلك، الطبقية الناشئة على حساب مذهبي أو ديني، وكل ذلك موجود وظاهر في مجتمعاتنا العربية، فالمذهب السائد يطغى على المذهب الضعيف، ويتعامل معه بطبقية وعلو واحتقار، وقد يكون المذهب المحتقر في بلد سائدا في بلد آخر، ويمارس نفس الدور على مذاهب الأقليات، وكأن الكل يؤمن بهذه النظرية ويتبادلون الأدوار
إن تحويل كل هذه الطوائف بكل تشكيلاتها الدينية والمذهبية والقبلية والطبقية إلى مجتمع واحد بتذويب الفروق ومنع التمايز والاندماج في شعور وطني واحد هو من أوجب الواجبات على الدولة المعاصرة، حفظا لوحدة المجتمع ولحمة الوطن
ولا يقل وجوبا إسكات تلك الأصوات الناعقة بالتحريض والفتنة ضد أي مذهب أو دين أو قبيلة أو طبقة واستخدام الدين وسيلة للتفرقة أو دعوى أخرى للوصول إلى مآرب طائفية تتستر بحب الوطن وتشعل النار فيه من خلف الستار
وفي تأمل سريع في قوله عز وجل: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) نجد من أعظم الحكم في إباحة نكاح نساء أهل الكتاب هو قتل النزاع الطائفي وهدم الحواجز المانعة من اندماج المجتمع في بعضه، إن الإسلام حريص على أن يضع في كل بيت غير مسلم رابطة إسلامية من أي نوع حفاظا على وحدة مجتمعه، فمتى يفهم الطائفيون ذلك؟