للموسيقى ذاكرة قد تبقى ولا تنمحي فيمكن تذكر أول مرة استمعت فيها إلى مقطوعة موسيقية ما؛ وقد تعود تلك اللحظة كلما استمعت إلى تلك المعزوفة!.. وربما شكلت هذه الحالة معضلة نفسية، بحسب جمالية الذكريات الموسيقية أو آثارها السلبية، لذلك فالمران على تجاوز الذاكرة السماعية الأولى للموسيقى يستدعي خلق حالات شبيهة بتلك اللحظة أو أخرى مؤثرة تأثيرا إيجابيا قويا به يمكن بحضورها المتعاقب التخفيف من التأثر السلبي للذاكرة بفعل الموسيقى. لأنه من الصعوبة أن تضعف قوة الذاكرة الذهنية تجاه موسيقى الاستماع الأولى.. فحلحلة ذلك الأمر تتطلب جلسات مران متواصلة تستدعي تلك اللحظة وإشباعها تأملا وتفكرا ومعايشة حتى تتآلف بها ولا يعود لها ذلك الأثر القوي.
ترى لماذا تبدو للموسيقى ذاكرة قوية؟.
ربما لأن الموسيقى لغة الحواس ومعنى تعابيرها، لغة الروح كذلك وهي اللغة التي لم تنطق ولم تكتب حيث إن لها حروفها ونوتتها الخاصة لكنها ليست اللغة البشرية اللفظية المتبادلة ذاتها في الكلام بحيث تكون مستهلكة ومهترئة.. هذا هو السر وراء الاستجابة المشتركة للموسيقى وسر خلودها فهي لا تنتمي إلى لسان أو إلى قوم بعينهم ولم تتنزل على شعب أو مكان أو زمان.
الموسيقى تحررت من ذلك كله وإن كان مبدعها هو الإنسان إلا إنها لم تنتم لمكان بعينه بحيث تفقد خصائص بعضها يتعلق بالمكان وهي كذلك لم تفقد خاصية أنها لا زمانية فهي في حداثة مستدامة. وهي دون لغة لأنها لغة الإحساس والإحساس والوجدان أمر يتشارك فيه الناس والكائنات.
ولعل أشد ما يحدث الأثر تلك الموسيقى التي تحضر دون مؤثرات.. كما أن الموسيقى المعزوفة على نحو الآلة الوحيدة هي التي عندما تدعو الإلهام إلى بوحها ويستجيب إليها مباشرة ولحظة بلحظة لأنه يدرك مدى هيمنتها الكبيرة على الحس الإبداعي.
لذلك فالعلاقة القديمة بالموسيقى تتآزر وتوجز المسافة الروحية لاستقبال الإلهام واستعادته وممارسته باستمرار.