يستحق خبر «فصل مذيعة سعودية لعدم جمالها» تنبيها آخر بعنوان كيف تندهش هذا الصباح. ومنبع الدهشة أو الاستفزاز ناتج عن تصرف الفضائية العربية موضوع الخبر التي قامت بفصل المذيعة تعسفيا بعد تعيينها بحجة عدم جمالها وأن مظهرها الخارجي غير ملائم، عوضا عن الأذى النفسي الذي سببته القناة للمذيعة بتوجيه عبارات جارحة. ودهشتنا الخاصة ليست بسبب الأفعال الغريبة والتقليعات التي ما فتئت تأتي بها بعض الفضائيات، فهذا أصبح في حكم الاعتيادي، ولكن لأنه سرى بعض الظن الحسن في أن هذه الفضائيات يمكن أن تكون تجاوزت مرحلة أن تكون المذيعة شهرزاد تظهر بكامل حلتها لتسهر في الحكي لشهريار حتى يدركها الصباح.
محطات وقنوات فضائية عالمية مثل السي إن إن والبي بي سي وإيه بي سي، وغيرها من المؤسسات الإعلامية، نالت شهرة واسعة بسبب مصداقيتها وتحليلاتها المتعمقة. وكما تلفت هذه المحطات المرموقة الانتباه إلى جودتها فواضح أنه ليس هناك عنصر اسمه الجمال تتخذه كمقياس لتعيين المذيعات والمذيعين على حد سواء، سوى الكفاءة والمؤهلات. والملاحظ أن مدير الفضائية المعنية لم يعترض على المظهر العام المفروض توافقه بالضرورة مع الوظيفة المعينة، إلا بالإشارة فقط ولكن السبب الذي حرك سلطته الإدارية كان هو الجمال.
ولأنه في حكم المتفق عليه بالضرورة أن لكل مؤسسة سياساتها ولكل وظيفة شروطها، منها المعلن ومنها المخفي، فقد كان بالإمكان تدارك هذه المسألة إن كانت تمثل للقناة أهمية قصوى وهاجسا كبيرا قبل أن تصل الأمور إلى مرحلة التعيين ثم الرجوع عنه بقرار الفصل. ومع عدم اتفاقنا مع الفضائية باتخاذها الجمال، كشرط أساسي في مذيعي ومقدمي البرامج، فإن التركيز عليه بهذه الطريقة الجريئة والمستفزة يفتح الباب – دون تعميم - على ملابسات تعيينات النساء في الوظائف خاصة في القطاع الخاص، وشروطها وحيرة الكثير من النساء المؤهلات علميا لعدم الظفر بها، إن لم يكن لهذا السبب تحديدا فقد يكون لأسباب أخرى مشابهة.
مؤسف عدم ترفع الفضائيات العربية عن نماذج استغلال الجسد الأنثوي لأغراض تسمى تلطيفا شروط عمل. فالهدف الرئيس من تحويل اهتمام المشاهدين نحو أجساد المذيعات وليس إلى أدائهن، لم يعد خافيا على أحد. ولا يقتصر هذا على المذيعات وإنما يلعب دورا في استعانة هذه الفضائيات في عدد من برامجها بأفراد لجان تحكيم من نجمات يلبين نفس الشروط، بل يزدن عليها بموهبتهن في إثارة الجدل حولهن عوضا عن الغرائز. في هذه الحالة يخرج جسد المذيعة كشكل من أشكال التشيؤ، فيتم إرغامه على تغيير طبيعته وماهيته ليؤدي وظائف أخرى غير وظائفه وصفاته المعروفة.
ولا يزال يتردد صدى الحديث عن أن جسد المرأة المفتوح على مجمل السياقات الاجتماعية والثقافية المختلفة، يعطيها فضاء رمزيا لحرية الحركة داخله، فإذا هي موهت عن عمق غير مرئي من جسدها فإنها تعرضه من خلال الجزء المتبقي الواضح وذلك يتجلى في الاهتمام بالماكياج الصارخ وإظهار بعض أجزاء الجسد بصورة ملفتة. وبقدر ما تحمل المرأة هم ذلك الجسد، تتحرك العقلية الذكورية نحو سبر أغوار ما يحتويه من أسرار لتساعد على زيادة نسبة المشاهدة.
صدى هذه القصة الخبرية يعكس تعرض خصوصية أنثوية لهيمنة الثقافة الفحولية، ويفتح كوة في جدار الغواية الصفيقة، فهل تقف المذيعة بصرامة لنصر المعنوي منها كامرأة وإنسان ثم كعضو فعال في المجتمع.
أضم صوتي لهذه المذيعة التي تجسد مواهب النساء ومنهن: المثقفة، الأديبة، الصحفية، المعلمة، العاملة والعالمة والطبيبة. والمرأة منهن ليست امرأة افتراضية بل هي امرأة حية تسعى بيننا، ويكذب من يدعي أن وظيفتها هي التي حققتها، بل هي التي خلقت الوظيفة والاسم واللقب بكفاحها واجتهادها وصبرها. والتي تحقق هذا أو جزءا منه هي امرأة فوق كل الصفات والألقاب والمصطلحات، وهي بهذا تناصر إنسانيتها، وهي من تسكن روح المجتمع، وهي الفكرة الشاملة كالجمال نفسه أو أحلى من الجمال.