عندما تخيم الشفافية على الأرجاء، ويسود جوّ من الإخاء، تكون السمة هي التلاقي والوفاء.
هكذا كان مساء الثلاثاء الماضي، وذلك حين التقى أهالي ينبع المقيمون في المدينة المنورة بمحافظ ينبع م. مساعد السليم والمسؤولين فيها بالمدينة، وشهد الملتقى تفاعلا غير مسبوق، في ظاهرة فريدة أبرزت عملا متميزا وبطريقة عملية قل أن يحدث مثلها، ففكرته رائدة، تنبئ عن مكنون عملي يقدّم بقالب حضاري وبأسلوب علمي وعملي في آن.
والفكرة تتلخص في إتيان المسؤول لأهالي محافظة يقيمون في مدينة أو محافظة أخرى (سبق هذا اللقاء ملتقى أقيم لأهالي ينبع المقيمين في محافظة جدة) حاملين معهم عرضا للمشاريع القائمة والمزمع إقامتها في المنظور القريب، على مستوى المشروعات البلدية والنقل والمياه وما يتعلق بالمشروعات الحكومية المتصلة بالبنية التحتية، وعروضا أخرى استثمارية لجهات مثل الغرفة التجارية الصناعية ولهيئة السياحة وغيرها.
والمبهج هو ذلك الحضور الذي أدخل السرور على القادمين والمستضيفين معا، فقد اكتظت بهم القاعة، وبدا عليهم التلهف لمشاهدة واقع ومستقبل محافظتهم، والتي يتمنون لها مزيدا من الرقي والتقدم.
ولعل سر نجاح الملتقى هو شفافية المحافظ، فقد تجلت صور التواضع والتلقائية، فهو يتحدث بكل صراحة ووضوح، ويطلب من أهالي ينبع مساندته والتكاتف من أجلها، ومن ذلك قوله: «إنما أتيت لخدمة ينبع وأهالي ينبع، فإذا رأيتم أنني لا أقدم شيئا، فقولوا لي: ما قصّرت ومع السلامة»، وعمم ذلك على جميع المسؤولين في المحافظة ورؤساء المراكز، وهكذا دار الحوار بينه وبين الأهالي بلا تحفظ، صريحا بلا حدود، وكان يستعين بالمسؤول عن الجزئية التي تم السؤال عنها، ويتيح لذلك السائل والمسؤول التحاور العلني بتجرد تام.
وكان مثار الإعجاب هو الاطلاع التام على الوضع وعن كثب، بحمل هم المواطن البسيط، وعندما جاءت مداخلة عن الأندية الرياضية في ينبع، اتضحت صورة المعاناة التي يحملها المحافظ في قلبه فقالها مدوّية: نحن بحاجة لبنية تحتية، والترف أمر سيتم إدراكه عاجلا، فالأهم يقدّم على المهم.
وكان من ثمار اللقاء هو الوعد بأن يكون الأول، مما يعني أنه سيتبع بثان وثالث، والمردود الإيجابي على المحافظة شجع على ذلك؛ حيث حضر الملتقى صفوة من الرجال الذين عقدوا العزم على الدعم بكافة السبل.
وفي تصوري أن مثل هذه الملتقيات لها تأثير كبير على تنمية المحافظات، ولو أن كل محافظ عقد ملتقى مماثلا لرأينا محافظاتنا في صورة زاهية تسر الخاطر وتبهج الناظر. وأهالي البلدة هم أولى من غيرهم، فجذورهم تمتد إليها، وحضارة آبائهم وأجدادهم شاخصة بها، وهذا لا ينافي مطلقا الولاء للوطن ككيان؛ فالوطن يتكون من محافظات ومراكز تتبع لمناطق تشكل خلية كبرى هي المملكة العربية السعودية.
والمواطن يمثل أس التنمية الأول، والفرد في المجتمع هو النواة، فمنه يتقدم ومن خلاله يرقى.
وقد حان الوقت لأن يتولى المستثمرون مسؤولية التنمية والنهوض بالمحافظات والمدن من خلال مشروعات تنموية مدروسة بعناية، ينتقى منها المستثمر ما يوافق طبيعة عمله وتخصصه إن جاز التعبير.
والملتقى حقق نجاحا بكل المقاييس، ونال الإعجاب من الحاضرين، فالدور الذي أدّاه كان من المفترض أن يكون منذ زمن بعيد، والمحافظ أكد أن ينبع جوهرة تحتاج إلى صقل وتلميع وفيها كل مقومات النجاح السياحي والاقتصادي والتنموي، من خلال توفر عوامل جذب في شتى المناحي، كما شدد على استعداد المحافظة لتقديم كافة سبل الدعم وتذليل كل الصعاب وأن شعارهم في ذلك «سم وأبشر وإحنا خدّامين».
وبمثل هذه الروح يرتقي وطننا الحبيب، فكثيرا ما نسمع عن مستثمرين هاجرت أموالهم للخارج؛ لوجود مناخ استثماري خال من التعقيدات، وهذا أمر هام يحتاج لمعالجة فورية؛ والهيئة العامة للاستثمار تقف موقف المشاهد من الشكاوى التي تطرحها الصحف، وما المتنزهات وغيرها إلا مثال ساطع ودليل قاطع.
إن المرجو أن تتكرر مثل هذه الملتقيات (وهو ما تم الوعد به) وبشكل تبادلي لمشاهدة الواقع، وفي أجواء مماثلة شعارها الشفافية وعنوانها الصراحة، في أجواء عملية بعيدة عن الرسميات المقيتة والتكلف.
ولا يسعني إلا إبداء الإعجاب بما كان عليه محافظ ينبع من شفافية نادرة ووضوح تام، وأرجو أن يكون جميع محافظينا بل وأمرائنا على هذه الدرجة التي إن عمت فالرقي حليفنا والنماء حالنا.