خلق الله الإنسان من مادة وروح، وجعل في كل هذين العنصرين نزوعا إلى أصله، فالجانب المادي البدني يجنح إلى المادة، وتستهويه أشكالها، ويطلب إشباعها، والجانب الروحي يتطلع إلى ما وراء ذلك، يتطلع إلى ما وراء الماديات نحو عالم الطهر والسمو، فتتعالى نفسه على مطالب الجسد وإغراءات المادة.
ولما كان دين الإسلام جاء مراعيا للفطرة فقد جعل الله لعباده رحمة بهم وإشباعا لفطرتهم، مشاهد ومشاعر يتجهون إليها بقلوبهم وأبصارهم، ويستشعرون الأنس في رحابها.. وهذه المشاعر نراها حاضرة في البيت العتيق.. والكعبة المشرفة قبلة المسلمين.. هذه المشاعر يعبد الله عندها، ولا يتصور المسلم في حال عبادته هذه أن هذه المشاعر تنفعه بذاتها أو يمكنها أن تضره، وإنما يمارس العبادة عندها استجابة لأمر الله له، ولذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند الحجر الأسود: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك، ما قبلتك.
البيت العتيق هو من المشاعر التي حرمها الله وقدسها.. شريعة باقية منذ ملة أبينا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وهي سنة نبوية شرعتها الشريعة المحمدية. قال صلى الله عليه وسلم (لقد مر بالروحاء سبعون نبيا، فيهم نبي الله موسى، حفاة عليهم العباء يؤمون هذا البيت). رواه أبو يعلى والطبراني رحمهما الله.
وعزز ذلك النبي صلى الله عليه وسلم صريحا في حجة الوداع «يا أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم».. إلى أن قال «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة». وهذه الحرمة لا تتغير ولا تتبدل (لا تبديل لخلق الله) فمن أراد أن ينال من هذه الحرمة فإنما يريد أن يغالب قضاء الله وقدره الذي لا يرد ولا يغلب.
أتطفئ نور الله نفحة فاجر تعالى الذي بالكبرياء تفردا لذا فلا عجب أن يكون مصيره كمصير من سبقه من أصحاب الفيل والقرامطة.. يا لعظمة هذا التعظيم (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود).
فهو مثابة للناس، ومجمع للمسلمين لا يجتمعون في مكان واحد كما يجتمعون حول هذا البيت، مع مثابة قلوبهم التي تهفو إليه، ولو أكثرت الترداد عليه، مع مثابة الثواب، فهو موطن ثواب عظيم من رب العالمين، جعله الله ملجأ للتعبد والطواف والدعاء، وجعله مباركا حيث يخرج من حجه من الذنوب كيوم ولدته أمه.
وجدير بالمسلمين جميعا أن يراعوا هذه الحرمة، وذلك من خلال أمور منها: الشعور بمقامه وصدق الشوق للمجيء إليه للعبادة، ولو جزءا من الوقت، فكم تهفو قلوب بعض الناس لبلاد الفسق والكفر ويهرعون إليها في كل فرصة من إجازة أو سفر عمل أو نحو ذلك، ولا ترق قلوبهم بالشوق إلى البلد الأمين، وتمضي السنون دون زيارة له، وهذا دليل نقص في الولاء لهذا الدين.
ومن جوانب رعاية حرمة البيت ألا يدخل مكة إذا كان يريد حجا أو عمرة إلا محرما، ويبادر بالطواف بالبيت، وأن يلتزم بعدم إيذاء أحد في البيت حتى الحيوان أو النبات، وألا يتسبب في صد الناس عن هذا البيت (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم). وألا يفكر في نفسه بالسوء في البيت وإرادة المحرّم.
وكم هو جميل -كما الأصل في هذا البيت- أن تكون خواطر الخير والطاعة حاضرة دائما.
حرمة البيت العتيق
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
