ربما كانت الرومنطيقية أظهر صفات محمد حسين هيكل، ونستطيع أن نظهر على شيء من سماتها في مسيرته الفكرية والأدبية كلها، فصاحب رواية “زينب” ظل وفيا لنشأته الرومنطيقية، في إيمانه، وهو سليل الفكر اللبرالي، بالحرية الفردية، وشعور الفرد بأرضه ووطنه، وألقت نشأته الرومنطيقية عليه بظلالها، فما لبث أن صدر عنها، وكان مذهبه السياسي الذي اعتزى إليه تعبيرا عن ذلك الحس الفردي، وربما رأينا في أصوله الأسرية ما يقوي صلته بتلك المنابع، وألفى في فلسفة الأنوار في فرنسا، صورة للرومنطيقية في الأدب، واللبرالية في السياسة، وكان أجلى مظاهرها تأليفه لكتاب عن المفكر الرومنطيقي جان جاك روسو، في حقبة مبكرة من حياة هيكل، وكان تشبثه بفكرة الوطنية المصرية تعزيزا لإيمانه الرومنطيقي، فأنشأ يفتش عن شخصية مصر فيما ينتجه أبناؤها من أدب ذي سمات تميزه من سواه.
ومهما تحول محمد حسين هيكل من فكرة إلى فكرة، فإننا نستطيع أن نرده إلى أصل رومنطيقي كامن فيه. نعم، تحول الرجل عن إيمانه الكامل بالثقافة الغربية التي لم ير في سواها سبيلا للتقدم، حين يمم وجهه نحو الشرق، وإلى مكة المكرمة خاصة، ورأى أن لا سبيل ممكنا لكي ينهض الشرق الغافي إلا إذا استرد هويته العربية الإسلامية، ولكن هيكلا كان وفيا لجذوره الرومنطيقية، وكان لا يزال حتى ذلك الحين مسكونا بصورة الشرق الحالم، وكان كتابه “حياة محمد”، تعبيرا عن تلك الجذور الرومنطيقية، حين انطوى الكتاب على أصل من التاريخ والسيرة، وحين استكنت في سطوره وصفحاته أحلام مثقف مصري جال في فكر الغرب وثقافته، ثم ما لبث أن استرد هويته وأصوله في الإسلام وثقافته، فبات يحيي رموزه الكبرى، في سياق له ما يشبهه لدى غير رائد من رواد الثقافة في مصر.
تلوح لنا صورة محمد حسين هيكل المفكر الرومنطيقي في كتابه الضخم “في منزل الوحي”، وتجلي صفحاته صوتا رومنطيقيا مولها بمكة المكرمة والحجاز ورموز الحياة العربية اليسيرة الساذجة، وربما رأينا في بروزه إلى ظاهر مكة، في أثناء رحلته المشهورة، ومشارفة الصحراء تعبيرا أصيلا لرومنطيقية استبدت بهيكل ولم تفارقه.