لا يوجد تصور أو تعريف محدد للوسطية التي ينادي بها، ويدعو إليها كثيرون، فهي مسألة نسبية، فمن لا يفتي باستباحة دماء أتباع الديانات الأخرى وإنما يكتفي بالكراهية واللعن يرى نفسه وسطيا قياسا إلى من يستبيح دماءهم، ومن لا يكفر أتباع المذاهب الأخرى خارج مذهبه من المسلمين وإنما يكتفي بدعوتهم إلى مذهبه باعتباره الأصح والأنقى، يرى نفسه وسطياً قياسا إلى من يكفرهم، وهكذا يمكن القياس حتى داخل المذهب الواحد فهناك تطرف أشد من تطرف، والأقل تطرفا يرى نفسه وسطيا، ولهذا نرى القاعدة على سبيل المثال تشجب جرائم داعش مع أن لا فرق بينهما سوى في أسلوب وطريقة القتل فالقاعدة تعتمد الرصاص بينما داعش اعتمدت السواطير، وفي بعض مجالسنا تسمع قصصا وطرائف، فما إن يذكر أحدهم طرائف أو فظائع من فتاوى أو أساطير فلان من الدعاة والوعاظ، إلا وتسمع من يقول (فلان هذا محلل مع الواعظ فلان الذي قال وقال)، وعلى هذا النحو تتدرج الوسطية من الدم المستباح إلى تخصيص دائرة الكفر إلى مد لحاف التحريم أو تقصيره قليلا أو كثيرا، ولكل واحد أدلته وقياساته، وجماهيره وأتباعه، وكل هذه المتاهات تحدث باسم الدين.
هذه الحال قديمة تاريخيا، لكنها تزداد حدة أحيانا وتخبو أحيانا أخرى، ولأنها احتدت عندنا مع ظهور وتطور واستمرار ما سمي بالصحوة، ومع ما يبدو في الفترة الأخيرة من مؤشرات تدل على الانحسار فإنها قابلة للاشتعال مرة أخرى، ما لم توجد قوانين وأنظمة واضحة وصارمة تضع كل الناس تحت سقف واحد من المساءلة والمحاسبة، ويعرف كل إنسان حدود المسموح والممنوع قولا وفعلا، مع إعطاء الحرية المسؤولة تحت هذا السقف، الذي يجب أن يجرم الطائفية والعنصرية والعنف الكلامي والفعلي وكل ما يمت للسلوك غير الإنساني، وذلك مثلما تم من تجريم لبعض التنظيمات الحركية.
التوعية مهمة، لكنها بدون قانون ونظام تنفيذي يدعمانها، فإن التوعية تبقى كلاما في كلام، والذين يدعون الوسطية ويدعون إليها سيتمكنون من تقييم بضاعتهم قياسا إلى القانون عندما يوجد، لا قياسا إلى أشخاص أكثر تطرفا منهم، لأن الوسطية حينها ستكون القانون والنظام الواضحين، وليس سلوكا أو أقوالا واجتهادات أشخاص أو حتى مشاعر الناس وكثرة المؤيدين أو قلتهم.
لا أدري مالذي يمنعنا من سن قوانين وأنظمة نستنبطها من صحيح الإسلام وعدالته وسماحته، وليس من فتاوى مذهب محدد، فنحن دولة إسلامية، والإسلام مظلة كبرى لكل المذاهب، ويمكن أن يعيش في ظله كل أتباع الأديان الأخرى بأمن وطمأنينة، والدولة الإسلامية يجب أن تكون على هذا النحو لا تتبنى مذهبا ولا ترفض آخر، وإنما يكفيها أن تكون إسلامية تجمع الكل تحت مظلتها، وتضع من القوانين والأنظمة ما يضمن التعايش بأمن وطمأنينة وسلام واحترام متبادل.
ما لم تسن هذه القوانين والأنظمة البعيدة عن التمذهب، فإن تأثير المتطرفين، وتحرك التنظيمات الحركية التي توظف الدين لأهداف سياسية لن ينتهي.
الوسطية (نسبية) والتطرف مستمر: قوانين الدولة هي التوضيح
قينان الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
