لا شك أن حركات وتنظيمات “إسلامية” متطرفة معاصرة مثل داعش والقاعدة والنصرة وبوكو حرام ومن يسير سيرهم، هم خارجون عن الإسلام بإجماع علماء الأمة، ينفذون خطط أعداء الإسلام ومآربهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما خرجت حركات وجماعات إرهابية مماثلة من قبل مثل حركات الخوارج وحسن الصباحي والحشاشين وثورة الزنوج وغيرهم ممن عاثوا في الأرض فسادا باسم الإسلام والإسلام بريء منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
وقد أدان المسلمون قديما وحديثا إرهاب هذه الحركات والجماعات ضد الإنسان وقيمه العليا التي أكد عليها الدين الحنيف، وعلى رأس هذه الحركات والتنظيمات الإرهابية، تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” الذي يعتبر من أشرسها وأخطرها، تخطت كل الحدود وفاقت كل تصور وأصبح لزاما على المجتمع الدولي وضع حد لجرائمه.
وللمرة الثانية بعد حرب الخليج الثانية تتفق دول العالم لشن حرب شاملة على منهج سياسي وأيديولوجي متطرف يعتمد القتل والدمار في نشر آرائه وسياسته بين الناس، ضمن تحالف دولي شامل بزعامة “الولايات المتحدة الأمريكية التي نأت بنفسها منذ انسحابها من العراق عام 2011 عن التدخل المباشر بشؤونه والتصدي للمجاميع الإرهابية التي دأبت على زعزعة الأوضاع الأمنية في البلاد بصورة يومية، ورغم غزو قوات تنظيم “داعش”، لمدينة “الموصل” الاستراتيجية في 11 يونيو الماضي، ومواصلة احتلالها للمدن السنية في وسط وغرب البلاد واحدة تلو الأخرى، ومحاولة اجتياحه للعاصمة بغداد.
لم تحرك القوات الأمريكية ساكنا وظلت تأخذ موقفا متفرجا عما يجري في العراق، ولكن بمجرد أن غير التنظيم الإسلامي المتشدد وجهته القتالية نحو المدن الشمالية وارتكابه الفظائع في مدينتي”السنجار”و”زممار” التابعتين للموصل بحق المواطنين الإيزيديين وسيره نحو مدينة “أربيل”عاصمة إقليم كردستان التي تتمتع باستقرار أمني وهامش ديمقراطي وأنموذج للتعايش السلمي بين الطوائف والأديان، فضلا عن كونها ملاذا آمنا لآلاف المعارضين العرب السنة العراقيين الهاربين من بطش النظام “المالكي” الطائفي السابق الذي خاض صراعا مريرا مع المكون السني بهدف إخضاعه لإرادته -وبحسب الإحصائيات فإن إقليم كردستان يحتضن أكثر من مليون ومئتي ألف نازح من المدن العراقية السنية رغم الحصار المفروض عليه من قبل الحكومة العراقية- والمدينة استطاعت عبر سنوات من انفصالها عن الحكومة المركزية أن تستقطب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية وتجذب كبرى الشركات النفطية الأمريكية لاستخراج النفط في الإقليم.
وبحسب توقع شركة “هلوود انيرجي” الأمريكية فإن إقليم كردستان سيكون من أكبر”مستودعات النفط العالمية”، وهذه الحقيقة تكشف لماذا هبت أمريكا ومن ورائها الدول الغربية للدفاع عن”أربيل” التي كادت قوات داعش أن تدخلها وتحتلها، وما يحدث الآن يشبه إلى حد كبير ما حدث عام 1991 عندما شكلت أمريكا تحالفا دوليا للتصدي للعدوان العراقي على”الكويت”، نفس السيناريو يتكرر ولو بشكل آخر.
كما اتخذت أمريكا قرارا بالدخول في الحرب ضد صدام حسين لأنه انتهك قواعد اللعبة واخترق المحظور، كذلك فعلت مع “داعش” من خلال دعمها الجوي لقوات البيشمركة الكردية التي واجهت التنظيم الإرهابي ببسالة، وحذت أستراليا ودول أوروبية كثيرة حذوها في إرسال الإمدادات العسكرية إلى القوات الكردية التي اكتسبت بين ليلة وضحاها تعاطف المجتمع الدولي ومساعداته واعتبرت قوات داعمة للسلام العالمي، تخوض الحرب ضد الإرهاب نيابة عن العالم.
ومن أجل تأجيج الرأي العام الأمريكي والعالمي، وتحويل الأنظار إلى العدو الجديد، أعلن الرئيس الأمريكي”أوباما” في خطابه الأسبوعي عشية الذكرى الـ13 لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، عن استراتيجيته الجديدة لمحاربة تنظيم “داعش” ودحره، ودعا دول العالم إلى القضاء على خطر”داعش”، وتحرك باتجاه الحلف الشمال الأطلسي وعقد اجتماعا موسعا مع عشرة وزراء لدول الحلف، وقال فيه إن”حلفاء رئيسيين في حلف شمال الأطلسي يقفون على أهبة الاستعداد لمواجهة هذا الخطر الإرهابي من خلال العمل العسكري والاستخبارات وإنفاذ القانون وكذلك الجهود الدبلوماسية”.
وأعقبه اجتماع آخر لوزراء خارجية تسع دول عربية إضافة إلى أمريكا وتركيا لنفس الهدف في مدينة “جدة” السعودية، وأخيرا نجحت الدبلوماسية الأمريكية والغربية في عقد مؤتمر دولي في فرنسا شاركت فيه 30 دولة، ومن ضمنهم الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن ودول عربية وممثلون عن دول العالم، والهدف من المؤتمر استئصال التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا..والتحذير الشديد الذي أطلقه المسؤولون الأمريكيون لدمشق من مغبة استهداف الطيران الأمريكي، يثبت أن استراتيجية مواجهة “داعش” لا تقتصر على الساحة العراقية فحسب بل تشمل سوريا أيضا.
وقد يكون من أهداف التحالف الأساسية؛ إسقاط نظام بشار الأسد، والحد من نفوذ المحور الإيراني والروسي في العراق وسوريا، وتحجيم دورهما في المنطقة التي قد يطالها مشرط التقسيم.
التحالف الدولي الجديد
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
