X

دروس من رحلة

الأربعاء - 06 سبتمبر 2017

Wed - 06 Sep 2017

قبل أيام كنا وحجاج بيت الله الحرام نرفع أكف الضراعة إلى الله الخالق أن يسهل لنا الحج وقد أكرمنا الله الرحيم بذلك لعلمه سبحانه بضعفنا وقلة حيلتنا، وها نحن قد رأينا الحجاج قد وقفوا بصعيد عرفات مهللين مكبرين حامدين الله.

نعم أيها الناس يا من قدمتم من كل أصقاع العالم متوجهين صوب قبلتكم مكة بيت الله الحرام وقد وقفتم حيث وقف الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا من الزمان معلنها مدوية أمام سمع العالم وبصره في خطبة حجة الوداع التي تصلح أن تكون دستورا ونبراسا ملخصا لكل دول العالم، نعم وقف وأعلنها في يقين نبي ملهم موحى إليه من ربه، في كلمات غاية في الفهم والبساطة، يفهمها كل ذي عقل نقي طاهر من عفونات التهريج والجدل العقيم والفلسفة والسفسطة وحب الظهور والتشدق ولي الألسن بكلمات وعبارات رنانة، كي يظهروا للناس أنهم خطباء مفوهون برغم الكلام الأجوف الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يروي ظمأ العطاشى الذين ينشدون الخلاص في ظل هذا الدين الذي من اعتقده بحق ربح سعادة الدارين.







نعم وقف النبي المعلم الذي علم العالم كيف تقاد الأمم بالحق والعدل والخير والتسامح والحب لكل البشر، بل لكل المخلوقات، وكيف لا وهو الذي قال في حب وحنان كما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به»، ولو تأملنا هذا الحديث لوجدنا فيه دروسا عن الأخوة الحقة والحب العظيم لكل الناس، تأملوا لم يقل صلى الله عليه وسلم من بات شبعان وأخوه المسلم إلى جنبه جائع، بل قال وجاره أيا كان هذا الجار مسلما أو غير مسلم، فالجيرة بمعناها الشامل في الإسلام تعني كل جار، فما بالك بأخيك المسلم؟ الله أكبر حقا إنه دين الرحمة والعدل والمساواة، لذلك بلغ هذا الدين ما بلغ وما سوف يبلغه بقدرة قادر عليم.

نعم وقف صلى الله عليه وسلم مخاطبا مئة وأربعة عشر ألفا الذين حضروا حجة الوداع يقول لهم: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها)، هنا يقف العالم بكل ما فيه من كبرياء وعنجهية وظلم للضعفاء والمضطهدين في دينهم وأنفسهم، يقف هذا العالم الذي يرفع عقيرته بحقوق الإنسان، يقف في صغار محني القامة أمام هذا الدين العملاق الذي يحاكي السماك علوا.

ثم يردف النبي الإمام (أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلغت، اللهم اشهد»، وهنا ينسف دعوى الجاهلية وتفاخرها بالآباء والأجداد والتعالي بالأعراق والأنساب التي بسببها أبيد ملايين البشر من إثنيات وقوميات بحجة مخالفة اللون أو الجنس أو المذهب والمعتقد، وعنصرية بغيضة كالقوميات من عربية وفارسية كسروية وطورانية وآرية، ونقض وتفنيد الكذبة القائلة بنقاء عرق دون عرق ولون دون لون، فكيف يكون هذا الادعاء والأب واحد ومعروف، ولأجل ذلك جاءت النظرية الداروينية ليمرروا بها أجندتهم العنصرية.

فهل فهم العالم المتحضر زعما وهو يمارس أبشع أنواع الهمجية والجاهلية الضاربة بجذورها وأطنابها في أعماق الجاهلية، إنه التهريج العالمي بالديمقراطية والمساواة، وحين تتعارض الديمقراطية مع المصالح يضعونها تحت أقدامهم ليتطاولوا بها لنيل مصالحهم ثم يتحدثون عن محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، وأن الإسلام قام بحد السيف، ورأينا كما من البشر ذبحوا ذبحا في زمن التحضر والتقدم المزعوم في حربين كونيتين راح ضحيتهما 70 مليون إنسان في قرن هو أكثر القرون دموية عبر التاريخ لا لشيء إلا لفكرة جنونية نازية فاشية دارت في رؤوس البعض فكادوا يفنون البشرية بسببها وبسبب جنون العظمة عندهم.

اقرؤوا سيرة رسول الله قبل أن تتهموه، فتشوا في كتب التاريخ والسيرة كيف كان يعامل حتى من كان على غير ملته ومعتقده صلى الله عليه وسلم.

فيا حجاج بيت الله الحرام عودوا إلى دياركم وتخلصوا بعد وقوفكم بعرفات من كل مظاهر الظلم والكبر والتعالي، وتعاونوا على بناء الإنسان أولا بكل ما أعطاه الله من حق وكرامة كإنسان، ثم اعملوا على البناء الذي يكون فيه سعادة دنيوية وأخروية فكل منكم قد لبس ثوب الحج الأبيض رمز النقاء والصفاء والذي يحاكي الكفن الذي سندرج فيه حين موتنا، مدوا أيديكم وقلوبكم قبلها وتصافحوا وتعاهدوا بإقامة الإخاء والمحبة والعدل والتسامح والسلام.

أسأل الله أن يتقبل من الحجاج حجهم ومن الصائمين صومهم وصالح أعمالهم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

الأكثر قراءة