ما من أحدٍ يمكنه الاعتراض على القول بأنّ القضاء على “الداعشيين” أمرٌ غاية في اليُسرِ وهو سهلٌ بالمرّة؛ طالما قُصِرَ أمر القضاء على (ذواتهم/ أشخاصهم) قتلاً وتغييباً، وذلك أنّ مَن غضَّ عنهم الطرف استنباتاً بادي الرأي، هو من قد التفتَ إليهم تالياً حسب ما تُمليه طبيعة الدور الذي أناطه بهم المشهد السياسي حضوراً وتوقيتاً، في حين يتوكد عُسر الاستئصال لشأفة “الدعشنة” بحسبانها هذه المرّة: جرثومة لنسق معرفيّ/ سلوكي، قد امتزجت فيها الأيديولوجية بالسيولوجيا بخلطةٍ عجائبيّةٍ كان من شأنها أن أسّست للظاهرة “الداعشيّة” الممتدّة بكلّ الاتجهات؛ متجاوزةً بذلك دائرة “الجهاد” الذي رهنت وجودها بشرط بقائه بادي الأمر، وبوصفه من زاويةٍ أخرى: “وسيلة إعلامية” هو الأكثر شيوعاً/ وإبهاراً، حيث يسعها أن تُقدّم نفسها للناس من نافذة “الجهاد” ذروة سنام الإسلام، ثم لا تلبث أن تتجاوزه لتوسيع دائرتها ابتغاء أن تشمل العمل على مرافق إحياء موات “الدولة/ الخلافة”، وذلك أنّ الجهاد بالوصف الشرعي له لا يعدو أن يكون وسيلةً يُصار إليه في سبيل بسط شرع الله ودينه.
فالدعشنة إذن هي أكبر من أن يُتعامل معها على أنها مجرد آليّة من آليات تطوّر “الجهاديين” فيُقضى عليها حرباً بأدوات الاقتتال؛ بل إنّ الدّعشنة – وبسبب من الحرب عليها- قد استحالت دعوةً عريضة إلى تبنّي أنموذج معين لـ”إسلامٍ آخر” غير الذي عليه الناس يومهم هذا! إلى جانب تغلغل البعد الأيديولوجي في خطابها والذي ما انفكّ هو الآخر يُعبر بأكثر من لُغةٍ عن إرادة الهيمنة وبسط سلطان “الخلافة” على العالم بُغيةَ “أسلمته” على النحو الذي أبانت عنه خلفياتهم العلمية/ الشرعية! إذ يرتفع بهم طموحهم-الجامح- من الخصوصية إلى مستوى عالميٍّ رحبٍ على نحو ما نشهده من مشاركة ثلة من الأمريكان وآخرين ليسوا بالقليل من الأوربيين ما يعني عالمية إغناءٍ للهويّة الداعشية إذ تجاوزت المحلي واشتغلت بطريقةٍ غامضةٍ على الاصطفاء لكوادرها غير مكترثة بالجغرافيا (الجيوبولتيك) إلا بالجزء الذي من خلاله تتمكن من تعميم نمط فكرها ذلك أنّ جغرافية: “الخلافة” لا تعرف شيئا اسمه حدود.
ومَن يُغيّر زاوية النّظر إلى التجربة “الخارجية” باعتبارها تطوّراً في الخطاب “الخارجي/ الحروري” وذلك من خلال الكشف عن المرجعيّة التاريخية والتي من خلالها تكوّنت “داعش” ولقيت بالتالي قبولاً لا فتاً..أقول: إنّ من يغيّر زاوية النظر لمثل هذه التجربة يُمكنه أن يُفسّر الأسباب التي جعلت منها –فجأةً- قوّة ذات انتشارٍ ليس من السهل الوقوف في سبيل “تمدّدها” إلا بحشدٍ دوليٍّ!وبكلٍّ..فإنّ الاحتفال قد يكون قريباً بقتل آخر “داعشيٍّ” ينتمي لـ”تنظيم الدولة” إلا أنّ هذا لا يعني بالضرورة أنّه قد تمّ استئصال رحم “الفكر الداعشي” الذي فيما أحسب لن تزيده حربُ تُدار بـ”العقل الأمريكي” إلا إخصاباً في عملية تناسلٍ ليست أبوّتهم جميعاً لـ”داعش”! وإنما سيُلحقون بهم نسباً -حتى ممن كان لا يؤمن إطلاقاً بالفكر الداعشي- غير أنّه البغض والكره لـ”أمريكا” سيكون كفيلاً وهو يحيل على “الولاء والبراء عقيدةً” بأنّ يجمعهم تحت مظلّةٍ واحدةٍ جديرة بأن تُعيد تدوير “الدعشنة” بصورٍ متباينةٍ في الظاهر؛ إذ لا شيء فيها قد يتغيّر باستثناء الأسماء وعودة ألقاب جديدة على السطح كرّةٍ أخرى...ذلك أنّ “أمريكا” قد عودتنا من ذي قبل على أنّها تُسجل نجاحاتها المطّردة في خلق “الأزمات” ثم تقضي بقية الوقت –مع حلفائها- بالاشتغال على إدارة تلك الأزمة بحسب اتجاه رياح سياستها!وإذا ما رغبنا أن نوجز سياسة أمريكا حيال “الحرب على الإرهاب” أمكن القول: إنها لم تزل في ظلالها القديم، وذلك أنّها للتو تعيش وهم زعامتها غافلةً عن أن نسختها السابقة في ضرب “القاعدة” لم تزد هذه الأخيرة غير الاستقواء إجراماً وحشدا للأتباع..وليس بخافٍ أنّ “داعش” كتكتل علماني/ بعثي/ فلولي قاعدي إنما نما وترعرع تحت عين “أمريكا” وبمباركةٍ من حلفائها في منطقة الصراع.فأيّا يكن الأمر فالأمريكان هم الفاعلون والمفعول فيهم بينما جعلوا “الظرف” من نصيب العرب..نحن إذن بانتظار صورة طبق الأصل عما كان قبلاً في الحرب ضد “صدام” أو ضد إرهاب “القاعدة” وهو إرهاب له معنىً أمريكي خالص لا يشبه المعاني الأخرى التي تمتلكها الدول المشاركة لـ”أمريكا” في حربهم على “الإرهاب”!* شيءٌ من التاريخ: قال عبدالملك بن مروان عن أحد الخوارج حين بسط أمامه مذهبه: “لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم وإني أولى بالجهاد منهم” وقد أمر عبدالملك بسجنه وقال له “لولا أن تفسد بألفاظك أكثر رعيتي ما حبستك”.
ولن يُفلح “السلاح” و”السجن” مع إلحاح الحاجة إليهما..إلا أنهما لن يُفلحا في دحر هذا “الفكر” إلا بـ”فكر” أقوى حجة منه وأصدق لهجة!