عطفا على مقالتي السابقة، أسوق سببين رئيسيين من أسباب أزمة القراءة:1 - غلبة «ثقافة» الدفتر (أو الكناش) في مختلف أطوار التعليم، بما فيها الطور الجامعي، أي ثقافة الحفظ عن ظهر قلب لمضامين المقررات، من دون حرص على تجنب طرائق الاختزال والإدغام والبتر، ولا مراعاة شروط الفهم والمجادلة بالاعتماد على أمهات المراجع وكتب التيسير.
وهذا واقع ممض يقر به جمهرة المدرسين عن تجربة ومعاينة.
وهؤلاء لو قرأت عليهم ملاحظة بذلك المعنى لابن خلدون عن طلبة عصره لقالوا جميعا بجدتها وراهنيتها، وهي: «فنجد طلبة العلم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون، عنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة» (المقدمة، ص545).
ويترتب على هذا الوضع في المحصلة تخريج أفواج تلو أخرى من ضيقي الصدور والرؤى ومن ذوي العلاقات السطحية بالثقافة والإنسانيات، والميالين إلى الانطواء على الزاد المعرفي الزهيد الأدنى، وبالتالي إلى اتخاذ مواقف الدوغمائية المتشنجة من قضايا الفكر والسياسة وأمور الحياة والدين، التي لا يطيق حملها وتدبيرها إلا أهل الدراية والمعرفة الواسعة.
2 - انتهاء غالبية ناقلي فنون المعرفة ومدرسيها إلى الاستسلام لأحوال متلقيهم والتكيف معها، وأقلية منهم يقاومونها بأفكار إصلاحية تروم إعادة الاعتبار والمصداقية إلى مستوى التعليم والشهادات، وذلك بمراعاة شروط الاقتصاد الجديد ومتطلبات سوق الشغل.
غير أن هذه الأفكار في المحصلة لا تجد سبيلا إلى تطبيقها بالقرارات السياسية الحازمة والتغطيات المالية اللازمة، فتضعف أمام تيارات الضحالة الجارفة وبؤر الجمود على الموجود.
من أسباب أزمة القراءة
بنسالم حميش2 دقائق للقراءة

حجم الخط
