لا أكاد أَجِدُ كبير فرقٍ بين العلَّامة الدَّكتور عبد الهادي التَّازيّ ويوميَّاته في الحجّ تلك الَّتي دعاها التَّحليق إلى البيت العتيق، ذلك أنَّ مَن يَعْرِف ذلك العلَّامة الجليل – رحمه الله – يعتدُّ ظَرْفه وما جُبِلَ عليه مِنْ رُوح الفكاهة أظهر خِصاله، وكان مِمَّا استقرَّ في ذاكرتي، أوَّل ما التقيتُه في القاهرة، عام 1423هـ، قُدْرة هذا العالِم الجليل على أن يخلط الجِدَّ بالهزل، ويقشع الكآبة الَّتي استولتْ على المنتديات العِلْميَّة الَّتي له مشاركة فيها، بروح الدُّعابة والنُّكتة، حتَّى إذا اتَّفق لك أنْ تقرأ كِتابه الماتع رحلة الرِّحلات مكَّة المكرَّمة في مئة رحلة مغربيَّة ورحلة كان مِمَّا وعتْه الذَّاكرة أنَّ هذا الكِتاب ذا الجزأين الكبيرين كان له طراوة وعُذُوبة، هي بعض آثار ذلك الشَّيخ الجليل.

حَجَّ الدَّكتور عبد الهادي التَّازي إلى البيت العتيق عام 1378هـ=1959م، وكان، مِنْ دأبه وعادته، أنَّه يحمل معه في حضره وسفره دفترًا يدوِّن فيه مذكِّراته لحظةً بلحظةٍ، وكان له مِنْ حجَّته تلك يوميَّاته الَّتي هي محلُّ حديثنا، حتَّى إذا مضى عليها ما يزيد على أربعين عامًا دفع بها إلى دارة الملك عبدالعزيز في الرِّياض، فكان مِنْها هذا الكِتاب الَّذي نُشِر سنة 1422هـ.

وأحسب أنَّ هذه اليوميَّات تمتاز مِنْ ألوان ما صُنِّفَ في شأن النَّفس، أنَّ زمن الكِتابة يكاد يكون زمن الحدث، فكانتْ أشدَّ صِدْقًا، وألصق بما يتلجلج في نفس صاحبها، دون أن يُطرِّيها بألوان مِنَ التَّزيين والتَّزويق، وأوشكتْ تلامس فطرة كاتبها، كما هي، قبل أن يعاود النَّظر فيها، لوْ أنَّه جعل للمعاودة والرَّويَّة سلطانًا عليها، فكان هذا الضَّرب مِنَ التَّعبير عفو الخاطر، صادقًا، بريئًا، ساذجًا.

ولا زلتُ كلَّما قرأتُ فقرةً مِنْها، أوْ سطرًا هنا وسطرًا هناك، مِمَّا غلب على عبد الهادي التَّازيّ طبعه، أَجِدُني أستسلم للضَّحك والابتسام، وتُشِيع فيَّ هذه الرِّحلة ألوانًا مِنَ الفرح، ومِنْ ذلك أنَّ مطوِّفًا مِنْ أهل مكَّة المكرَّمة أولم للتَّازيّ وبعض الصَّديق وليمة في بيته، وكان مِمَّا أغرى به ضيفه مِنَ المغاربة أنَّ بيته «مُكَنْدَش» – أيْ مكيَّف! – وأذكرَني اسم المفعول «مكندش»، أنَّنا كنَّا نطلق على «مكيِّف الهواء»، أوَّلَ ما عرفْناه، اسمه الأعجميّ «الكونديشن»، قبل أن ينتصر اسمه العربيّ! وانتهى إلينا مِنْ ذلك السطر القصير فوائد يفرح بها المؤرِّخ أوْ عالم الاجتماع، مهما كانتْ ساذجةً بريئةً، ويكفي أنَّها دَلَّتْ على مبلغ ما أصابه ذلك المكيُّ مِنَ الثَّراء، في ذلك الزَّمن الَّذي كانتِ البلاد، لا تزال تخطو خطواتها الأولى في التَّرقِّي والنُّهوض، ولمْ تحرمْ قارئها، اليومَ، مِنْ أن يبتسم، حين يقع عليها، ويدرك ذلك التَّفاوت ما بين عام 1378هـ، وعام 1438هـ، ويَعْرف أنَّ السَّنوات السِّتِّين الَّتي تفصل ما بيننا وبين صاحب البيت «المُكَنْدَش»، قدْ أصابها مِنَ التَّطوُّر والتَّغيير فوق ما يحسُّه ذلك المطوِّف المكِّيّ.

شاع رُوح الظَّرْف في كلّ أوصال الرِّحلة، نقرأها وعبد الهادي التَّازيّ يصوِّب الحصيات الصِّغار إلى الشَّيطان، وكان شيطان مِنَ الإنس يتحيَّن تلك الفُرصة ليظفر بنصيبه مِنَ المال، لكنَّ يد التَّازيّ الَّتي ترجم الشَّيطان، كانتْ أُختها للسَّارق بالمرصاد، ولَمَّا أُتِيحَ للوفد المغربيّ الموفد مِنَ الملك محمَّد الخامس إلى الحجّ، وكان مِنْ أعضائه صاحبنا التَّازيّ = المشاركة في غسل الكعبة المشرَّفة، ولمَّا أتمُّوا الغسل، اجتمع الحجيج عليهم وجعلوا ينتفون مِنْ أحاريمهم خيوطًا، طلبًا للبركة، ولولا أنَّهم فرُّوا بأنفسهم إلى الرِّباط المغربيّ لانكشفتْ عوراتهم!

لكنَّ هذا الرُّوح العذْب الَّذي لا تخطئه عين القارئ، كأنَّما كان يُخَفِّف مِنْ حَمَارَّة الصَّيف والهجير الَّذي اتَّفق أنْ كان الحجُّ فيها، ولولا ذلك الظَّرْف، ولولا تلك العُذُوبة الَّتي طبعتْ إنشاء عبد الهادي التَّازيّ لأوشكتْ رحلته أنْ تكون يوميَّات الموت والمرض والألم، ويكاد يُداخلُك الشُّعُور بجهامة الجوِّ، واشتداد الهجير، مِنْ كثرة دوران كلمات اللَّهيب والنَّار في تلك اليوميَّات، وحيثما سِرْتَ في أثناء الحجّ في مكَّة المكرَّمة، أو الزِّيارة في المدينة المنوَّرة، فليس إلَّا الموت الَّذي يتخطَّف الحجيج واحدًا تِلْوَ واحدٍ، وعساه اقترب مِنَ التَّازيّ حِين زارتْه الحُمَّى وحَلَّتْ في عظامه، وأوشكتْ تفتك به لولا أنْ تَداركه الله بواسع فضله، وكان الموت والمرض والألم أظهر ما يقع عليه قارئ تلك الرِّحلة، وليس للحجيج مِنْ حديثٍ سوى تلك النَّار المحرقة الَّتي ينفثها الجوُّ اللاهب، حتَّى إذا استشعر الرَّاحة في قصر الملك سُعُود في مِنًى، لمْ يكادوا يهنأون ببرودة «المكيِّفات» حتَّى عادوا سِيرتهم الأولى، حينما غادروا القصر فاستقبلهم السَّموم الحارق!

«لقدْ كانتِ السَّيَّارات الشَّاحنة تمرُّ بين الفينة والأخرى؛ لترُشَّ الطَّريق، وتلطِّف قسوة الجوّ، فكانتِ الكلاب – وهي مِنْ أكثر الحيوانات صبرًا على العطش – تتطارح على المكان الَّذي ينزل عليه الماء لتنتعش!!»

والعلَّامة عبد الهادي التَّازيّ له مقامه في التَّأريخ لرحلات الحجّ المغربيَّة، ويَعْرِف له قرَّاؤه كِتابه الَّذي أومأْتُ إليه، مِنْ قَبْلُ، أعني رحلة الرِّحلات، مكَّة المكرَّمة في مئة رحلة ورحلة مغربيَّة، وله رأيه في هذا الضَّرْب مِنَ الأدب، فأدب الرِّحلة مُشْبِهٌ، مِنْ بعض الوجوه، أدب التَّرجمة الشَّخصيَّة، في أنَّه إنَّما يُعَبِّر عنْ نفس صاحبه، وهذه خصيصة مِنْ خصائصه، فإذا اتَّفق أنَّ كانتِ الرِّحلة «يوميَّاتٍ» فذلك أدعَى إلى معاصرتها للحدث نفسه، وقتْ حدوثه، وقدْ أفلح الكاتب في أنْ أدخل في روع قارئه أنَّه إنَّما يقرأ ما حدث «الآن»، وأنَّ ما يقرأه ويظهر عليه ليس «ذكريات» تاريخُها سنة 1378هـ، ويكاد يُحِسُّ القارئ – وأقلُّه هذا ما أحسستُه – أنَّ صَفَّارات عربات الإسعاف الَّتي تحمل المرضى والعَجَزة جازتِ الطَّريق قبل قليلٍ! وأنَّني أُوشك أنْ أسمع أصوات المحتضرين الَّذين أَلَمَّ بهم ففزِعْتُ مِثلما فَزِعَ، واستقرَّتْ حشرجاتهم في أذنيَّ مثلما استقرَّتْ في أُذنيه، على ذلك النَّحو الرَّاعب الَّذي دَوَّنه، مهما كان الزَّمن بعيدًا

«لقدْ وقع بصري على غرفة كبيرة عن يساري، تحتوي على نحوٍ مِنْ ثمانين حوضًا مملوءًا بماء مثلَّج، يُعَوِّم الممرِّضون فيها الملفوحين المصابين بضربة الشَّمس INSOLATIOM، فإذا ظهر بعد وقتٍ أنَّ في المصاب أملًا حُمِلَ إلى غرفة «المؤمَّلين»، وهُمْ عشرات يعانون سكرات الموت، يصيحون بأصوات غريبة ما سمعتُها في حياتي: غرغرة وحشرجة، أصوات أقرب، أحيانًا، إلى أصوات الطُّيور والحيوان مِنْها إلى الإنسان!! لحظات لصقتْ بذاكرتي!!»

فإذا ما نَحَّيْنا يوميَّات الموت والحياة، ورجعْنا، كَرَّةً أخرى، إلى الكِتاب، نستذكر بعض ما فيه، كان ألصق ما يعني قارئًا مِثْلي مِنْ أبناء مدينة جدَّة، أن يقرأ في التَّحليق إلى البيت العتيق، الهيئة الَّتي كانتْ عليها عروس البحر الأحمر، عام 1378هـ، وما آلتْ إليه، بعد ذلك. والحقُّ أنَّ جدَّة الَّتي أَلَمَّ بها عبد الهادي التَّازي هي جدَّة الحديثة، ذلك أنَّ الرَّجُل كان قدِ اختار مِنَ الفنادق أرقاها، وهو فندق قصر الكندرة، واتَّصَل برجالات الحُكْم والدِّبلوماسيَّة والأدب والثَّقافة، فهو لمْ يَرَ إلَّا ما كان حديثًا، لكنَّ هذه «اليوميَّات» أفلحتْ في أنْ تَعْبُر بالقارئ تلك الأزمنة الطِّوال، ليرى ما رآه التَّازيّ وما سمعه، فالأشجار في جدَّة «أَعَزُّ مِنْ بيض الأنوق!!»، والماء فيها شحيح، مهما كان الفندق الَّذي اختلف إليه فخمًا، لكنَّ في رحلة عبد الهادي التَّازيّ، مهما كانتْ عذبةً ظريفةً، غير ذلك؛ فيها شوق الطَّريق إلى البيت العتيق، ومسجد النبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وقبره الشَّريف، وفيها نفسٌ تَعَلَّقتْ بتلك الأمكنة المنيفة، وكلمات توشك أنْ تُشْبه الشِّعْر!

«إنَّ بهاء المسجد عند استقبال الصُّبح جميل، وإنَّ ترديد المصلِّين لكلمة «آمين» الَّتي يقولها الإمام، لَتَسْمَع لها دويًّا في كلِّ جهات المسجد، وإنَّ منظر المصلِّين، وهم يهوون للسُّجود دفعةً واحدةً يُخَيِّل إليك أنَّك أمام أمواج تنساب».

«لقدْ شعرْنا ونحن نقترب إلى المسجد النَّبويّ، وحوالينا هؤلاء الأغوات بِزِيِّهم الخاصّ كأنَّما نُقْبِل على زيارة لأحد العظماء مِنَ الأحياء، لقدْ سمعنا أصواتًا مِنَ الأغوات كأنَّما هم في حالة استئذان لدخول الرَّوضة! وفُتِحت الأبواب باب القبر، وسمعْنا، ولمْ أدْرِ مَنْ مِنَّا نطق: «السَّلام عليك يا صاحب المقام المحمود»، كُلُّنا بين باكٍ وواجمٍ وشاهقٍ كذلك، وقفْنا لحظاتٍ أمام الأجداث الثَّلاثة محمَّد وصاحبَيْه، الحراسة تتشدَّد حتَّى لا يقتطع أحد الزُّوَّار جانبًا مِنْ ستار، أوْ يحمل بعضًا مِنْ أثاث، رغبةً في التَّبرُّك! فعلًا كان التَّأثُّر عظيمًا وكنَّا – أوْ كنتُ على الأقلّ – لا نستطيع أنْ نفتح عيوننا كثيرًا أمام هذه الثُّلَّة الَّتي دَوَّى صِيتها في الآفاق، إنَّ المقام كان رهيبًا ومَهيبًا بحقّ».