في عام 1397هـ شاهدت أول مسرحية في حياتي في مدرستي: القبلتين الابتدائية بالمدينة المنورة، وكانت ضمن برنامج الحفل المدرسي الختامي للأنشطة الطلابية، ومثَّل زملائي المسرحية وقاموا بأدوارها أمام الأستاذ عبدالعزيز الربيع مدير التعليم بمنطقة المدينة المنورة آنذاك.
كان الريبع أديباً وكاتباً وناقداً ومسرحياً، وكان يولي هذه الأنشطة اهتماماً كبيراً.
وكانت مدرستنا تحتوي معرضاً دائماً لرسومات الطلاب والمجسمات والمنحوتات، وكان لدينا نشاط سنوي يسمَّى معسكر اليوم الواحد، بحيث نقضي يوم الإجازة كاملاً من صباحه إلى الساعة العاشرة مساء في المدرسة.
وكانت الإذاعة المدرسية تبث أغنيتين وطنيتين بالتناوب، بصوت سراج عمر وأبي بكر سالم في الفسحة الكبيرة.
كانت المدرسة أشبه بخلية نحل من الحراك والحيوية، والمناشط المتعددة.
وكان جل مدرسينا من خريجي كلية إعداد المعلمين، وكان للمتفوقين في مدرستنا زيارة إلى هذه الكلية، التي كانت تضج بالأنشطة ذاتها، وبمستوى أكثر دقة وتنظيماً واحترافاً، وفي إحدى زياراتنا لها شاهدت أول فيلم علمي وثائقي عرض على شاشة سينمائية.
وكانت مدارس المدينة المنورة الابتدائية والمتوسطة والثانوية تقوم بأنشطة فنية ورياضية ومسرحية مشابهة، وكان ذلك الحراك المتعدد والمتنوع يتم بشكل سلس، وأسهم بصقل مواهب متعددة في فنون مختلفة، وكان يلقى استجابة وتفاعلاً وحماساً كبيراً من الطلاب.
وقد أسس ذلك التنوع في المناشط قيماً معرفية وتربوية راقية في أجيال تلك المرحلة، واستوعب طاقات الموهوبين منا في مجالات متعددة، ولم تكن-حينئذ- ثمة اتجاهات خارج إطار التعليم ومجال الآداب والفنون.
وكانت الرقابة الإدارية ومتابعة المعلمين ومستويات أدائهم العلمي والوظيفي في المدارس على قدر من البساطة والسلاسة، وبقيود واشتراطات أقل بكثير مما هي عليه اليوم.
ثم جاء زمن أدركنا فيه واقع أبنائنا في المدارس ذاتها، فليس ثمة مسرحيات ولا رسومات ولا مسابقات ولا أغانٍ وطنية، وصارت المدارس محضناً لفئة من المعلمين اخترقت وعيهم اتجاهات، واتخذوا أهدافاً خارج مجال التعليم والتربية والمعرفة والوطن، اختطفوا وعي أبنائنا الذين لم يؤمر بعضهم بالصلاة، ولم يتجاوز الحلم، ويتحدثون عن الحلال والحرام وأمة الإسلام، والكفر والنار والموت ..إلخ.
متغيرات كثيرة أودت بمدارسنا إلى هاوية وعي تلك بعض نماذجه، وأسهمت مؤسسة التعليم ذاتها بقصد أو بدونه، بما آل إليه الواقع التعليمي.
وتراجع دور المدرسة كمؤسسة تربية وتعليم وتنشئة وتنوير وإصلاح؛ وتشكلت بيئة مرتبكة رخوة، بعيدا عن البيئة التربوية الصحيحة والسليمة، التي من شأنها ترسيخ فهم الطلاب ووعيهم بذواتهم وبأمور دينهم ودنياهم ووطنهم، لصالح تيارات واتجاهات يمثلها تربويون بمواقع متعددة.
وبرغم ما ضخته الآلة الإعلامية لمؤسسة التعليم، وما أعلن عنه مسؤولوها من تطلعات ومشاريع ومبادرات في السنوات الماضية؛ فإنه لا يوجد واقع تطبيقي حقيقي لذلك كله، وبرغم ما سمعنا عنه من أموال صرفت لتطوير التعليم وتحديث المناهج، يزداد التعليم تراخياً ومناهجه هشاشة وضعف تكوين، ورداءة مخرجات.
وأصبح المنهج الخفي- كما وصف أحد الباحثين- خرقاً سافراً يجترح بنية التعليم ومحاضنه.
ولم تفلح كل محاولات الذود عنها والدفاع عن وجاهة ونجاعة مشاريعها، ودقة تنظيماتها وجدوى مبادراتها، ولا يظهر بعد ذلك سوى عمليات ترقيع وتلميع، لم تستطع حجب حقيقة الواقع الفعلي.
ولذلك فإن من أولويات الوزارة في عهد وزيرها الجديد، إعادة تأسيس بنية وبيئة التعليم من جديد، واختطاط فلسفة جديدة له، واختيار وصياغة أهداف تراعي الواقع واستحقاقاته، ومستجدات العصر وضروراته، وتستفيد من التجارب الناهضة والمتقدمة في هذا المجال.
وعوداً على ما بدأت به هذه المقالة، فإن واقعنا الحياتي قبل أربعين عاماً، ليس هو اليوم، وهذا الواقع يمر بمرحلة كثيرة الانعطافات والمآزق، وسرعة المتغيرات وضخامة التحولات، ولم تعد فيه المدرسة وحدها، هي نافذة أبنائنا على المعرفة والقيم والوطن والعالم، وليس موضوعياً ولا مهماً أن تعود مدارسنا إلى ما كانت عليه بالأمس.
ولكن مهم جداً أن نستعيد ما اختطف منا، ولاسيما إذا كان المختطفُ هو وعي أبنائنا.