وما زلت في الماضي (الجميل) الذي حدثتكم عن جانب (جلد التعليم) منه في مقال أمس، والبعض يسميه (الزمن الجميل)، ليس لأنه جميل في حد ذاته، ولكن لأننا عرفناه من جهة وهضمناه، ومن جهة ثانية لأننا انحدرنا في النمو والتطور، فمثلا، الأمير خالد الفيصل وزير التربية والتعليم قال ذات يوم: ليت تعليمنا يعود إلى ما كان عليه قبل أربعين سنة.
وليته الآن يعيده، وهو قادر على ذلك.
وفي عيد الفطر الماضي قال لي رجل ثمانيني في قريتنا (الطويلة) ببلاد غامد: ليت عيدنا يعود إلى مثل ما كان قبل أربعين سنة، عندما كانت القرية تحتفل بالعيد وهي أسرة واحدة، فكل البيوت مفتوحة، وكل أهل القرية رجالا ونساء يدخلون كل بيت، بينما اليوم لا يرى الرجال بعضهم بعضا إلا بعد صلاة العيد، والبيوت مغلقة، والقرية فارغة من النساء، فقد غيبهن الاسمنت وجدران عادات جديدة أصبحت مقدسة وكأنها دين لم نكن نعرفه.
موضوعنا اليوم هو أنني في عام (1403) كنت (حكم كرة قدم درجة أولى)، وكنت مع الزملاء الحكام (مبارك الزهراني، ونصرالله غازي، وعلي الصباحي ـ مصري) في طريقنا إلى مدينة (رنية) قادمين من الطائف لتحكيم مباراة ضمن دوري الدرجة الثانية، وقد أعددنا حاجاتنا لطبخ الغداء في إحدى مزارع (رنية)، واستقللنا سيارتي (بوكس كرسيدا) وغادرنا الطائف عند الثامنة صباحا، بعد توقف نحو ساعة عند بيت أخينا وزميلنا (نصرالله) الذي اعتذر بأن (المدام) أجبرته على (الاغتسال)، لأنها لم تجد فرصة كي (تنظفه) خلال الأيام السابقة، بسبب سهره خارج البيت وانشغالها بالصغار، وما إن مضى على رحلتنا نحو ساعتين ونصف ونحن (نقهقه) حتى وجدنا سيارتنا تعرج، فقد ضرب الإطار الخلفي، وحين توقفنا قبل (الخرمة) بنحو عشرين كيلو مترا، اكتشفت أن (الكفر الاحتياط - الاستبنه) غير موجود، ولا أدري هل تمت سرقته أم نسيته ذات عطل ما.
الزملاء حين عرفوا ذلك قالوا بصوت واحد (سود الله وجهك)، ولم أعد أتذكر إن كانوا (تفلوا في وجهي) أم اكتفوا بالتهزيء والسخرية، ووقفنا على الطريق ولا أحد يقف، وفجأة قدمت من الصحراء (داتسون)، فرفعنا أيدينا لها، وكم كانت سعادتنا حين توقفت عندنا، ولكننا فوجئنا أن سائقتها امرأة (مبرقعة) وإلى جوارها شاب عشريني، فنزلت وحيتنا ثم قالت هات (الكفر)، واركبوا، فركبنا أربعتنا مع (الكفر المضروب) في صندوق (الداتسون) وهي تقود السيارة ومعها الشاب الذي عرفنا فيما بعد أنه ابنها، واتجهت بنا إلى الصحراء، وحتى لا أطيل تغدينا على (خروف) عندها في (الخدر)، ولا ندري حتى الآن كيف وأين اشترت (كفرا جديدا) وركبته في سيارتي، وبعد الغداء أوصلتنا إلى سيارتنا دون أن نعرف حتى اسمها، أو نستطيع دفع ما تحملته من تكاليف، بل كان ردها حين عرضنا الأمر عليها: اخجلوا إن كُنْتُمْ عربا! وخجلنا طبعا، لكن ما زلت أقول حتى اليوم: أين أولئك النساء؟ ولماذا لم ينتقل تحضر البادية ليبيد جهل وجهال الحضر والحاضرة؟ أين ذلك الزمن الجميل؟ فعلا نحن نتخلف باضطراد منتظم.
(بدوية) تنقذنا (بسيارتها) وذبيحة: فعلا نحن نتخلف!!
قينان الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
