في تقليد سنوي عمدت جماعة التصوير بالقطيف إلى تخصيص مساحة من معرضها الفوتوغرافي الثامن عشر لما تدعوه «تجربة»، وهي عبارة عن حكاية تروى عبر صور متعددة، ويظهر من سياق المعرض السنوي وعبر معارضه الخمس الأخيرة أن البوصلة بدأت تنزاح قليلا ناحية التفكير في إيجاد سرديات بصرية، محمولة على مرونة الصورة الفوتوغرافية، واشتباكها الحميم مع مفردات الحياة اليومية، والذي يتصعد يوما بعد يوم بفعل مواقع التواصل وتطبيقات الهواتف المحمولة التي أنعشت شهية التصوير لدى الناس.
ثمة فكرة في كل تجربة، حدث ما، مكان ما، شيء ما يحال إلى ثيمة يمارس من خلالها الفنان الفوتوغرفي التعبير عن إحساسه الجمالي بكل مفردات الصورة، وارتباطه بهذه الثيمة التي سيعيد بناءها كحكاية، وهي بحسب الصيغة المقترحة للتجارب المعروضة حكاية لا تسعها صورة واحدة، بل تمتد ضمن وحدات بصرية متتالية.
الترحال في زمن الحكاية
جاءت التجارب المعروضة وهي 24 عملا مشاركا، متباينة في موضوعاتها، دون أن يمنع ذلك من توافقها على قواعد مشتركة في صياغة التجربة، فالتراكيب البصرية في معظمها انصرفت باتجاه توثيق خطوات مهنة ما، أو لحظات عاطفية أو حياتية معينة، أي أنها بمثابة الترحال في زمن الحكاية، وهي تجارب أمينة لرغبتها في السرد والشروحات، فيما راوحت التجارب الأخرى المتبقية بين تجزئة الفعل وهندسة المكان بصريا ضمن موتيفات بصرية أشبه بأفعال السينما، وبين الاكتفاء في خلق متقابلات ثنائية بين اللقطة البعيدة واللقطة المقربة.
قليلة هي التجارب التي جنحت صوب استدماج حالة جدلية ضمن البناء الحكائي، بمعنى تحويل تلك التكوينات البصرية المتجاورة إلى حكايا تتوالد من لحظة المواجهة بين الصور، المواجهة بين إشاراتها الرمزية، بدلا من تقليد الحالة السينمائية، والامتثال لصرامة التصاعد الخطي لسيرورة الأفعال التي اشتملت عليها التجارب المشاركة، ثمة انضباط فني عال في صياغة كثير من تلك التجارب، وهذا ما يستجلب الدهشة الأولية حين المشاهدة، لكن التحدي الذي تفترضه هكذا تجارب هو في اقتحام مساحات جمالية غير مكرورة، واستنهاض حكايات من خارج السرد التقليدي، لأن القضية لم تعد مختصرة في إيجاد صورة خالصة ولا حكاية سردية متماسكة الأطراف، بل في الاستثمار في هذا الجدل الذي يتخلق من المجاز الحكائي للصور المتعددة، من الجسد السردي الذي سيتوالد من معطيات لعبة جمالية مختلفة.
تفاصيل الحياة في الأعمال
من هنا تبدو تجارب عبدالإله مطر وكوثر أحمد أكثر إحساس بالشحنات العاطفية لمشاهد كبار السن، فيما يهب علي العيد الضوء فسحة للتواصل الحميمي بين الوجوه التي تخثرت فيها عذابات العمر في مساحة محقونة بقوة التلاقي بين البياض الخالص والأسود العميق، ومثله حسين أبوتاكي الذي يتكئ على عمق هذين اللونين للتشديد على الاستغراق الجماعي في القراءة لدى المسافرين الغربيين، في حين يصر محمد الخضراوي على البحث عن لحظة رومانتيكية في سيرة المتسولات، من خلال التقاط تفاصيل الضحك في وجوه تلك النسوة، وتمضي ساجد العصفور إلى تحويل اللون الأزرق إلى معادل جمالي في سيرة فصل دراسي لأطفال آسيويين، عبر صور ثلاث مشحونة بصرامة السبورات وعزلة الدروس، وسلطة التعليم التي تتمظهر في لقطة معدة درامية لصبية يستعيدون مشهد العقوبات المألوفة في الفصول.
في المقابل، كانت تجربة فاطمة المحسن على درجة عالية من الوعي بإمكانات هذا اللون من السردية البصرية، وهي تمارس حريتها في العبور إلى مبتنى سردي مغاير، إذ ترفع بكثير من القصدية من منسوب المفارقة في فكرة المشاكسة التي تحملها روح الطفولة، كما يكرس عباس الخميس تجربته لتعميق العلامات الاجتماعية التي ترسم فضاءات المرأة والرجل في المجتمع الريفي، كذلك تبدو تهيئة ملعب كرة قدم عبر التقطيع الهندسي والتركيز على فاعلية الخطوط في تجربة محمد بدر وكأنها استعراض لحماسة هذه الرياضة وما تستولده من تلون في الخطوط والميول الذوقية، بينما مال محمد الزاير إلى تحويل تجربته إلى مرافعة دفاعية عن البيئة في استدعاء لحظة الحصار التي تعيشها السلحفاة ضمن حدود التلوث المائي.
وفي شيء من محاولة الاتساق وعنوان المعرض «حياة»، يقترب يوسف المسعود من حياة البحر وهو يجذبنا إلى سحر اللون في تجربته، ويماثله في ذلك محمد الخراري في موضوعة الاحتطاب وهو يحتفي بسيرة التعب عبر فضاءات خضراء لا تكف عن دفق الصور بالحياة، كذلك يستمر الاستثمار في يوميات الفلاحين مع حسين العبدالجبار، في مشهدية احتفالية يبدو فيها الفلاح بكامل أناقته، على خلاف تجربة بدر المحروس التي تتسلل إلى عمال الفحم في هامش حياة ملونة بالسواد والتعب، وبكثير من التناغم اللوني يطرز لنا مفيد العوامي أجواء الهدوء والسكينة التي تحفل بها يوميات التطريز في عالم النسوة، بينما تفضل زهراء القطري تعريف الحياة من خلال لوحة مدمجة بحيوات متعددة نرى فيها صور اللحظات الأولية في حياة الإنسان والنبات والحيوان والحشرات، وبالمثل تراقب منى الناصر حياة الفرخ الصغير من داخل البيضة وحتى خروجه منها.
ممارسة إبداعية
تبقى هذه الأعمال التي أشرنا إليها، وأعمال أخرى لنايف الضامن وعلي المحفوظ ومهدي العوى ومحمد الصليلي وباسم القاسم، تبقى على تنوعها بمثابة نويات لمشاريع فوتوغرافية ممكنة لدراسة يوميات الناس، وكتابة سرديات بصرية توازن بين الفعل الجمالي والوثائقي الذي تنطوي عليه الممارسة الفوتوغرافية، بينما هاجس التجربة، أو فعل التجريب، سيظل سؤالا جماليا يطرق باب معارضنا بكثير من التردد، وكثير من الصعوبة في مقابل مغريات النزعة الواقعية التي توهمنا بها أفعال الكاميرا، فالتجريب بحث في قوة التناقضات التي تستبطنها روح اللحظة الراهنة، والتفات ذكي إلى معانيها المستعارة والحقيقية، هي اعتراف بأن الممارسة الإبداعية دهشة تجاوز المألوف والمكرور، كما تجاوز الاستعمالات الرتيبة للصورة، فالصورة الفوتوغرافية اليوم هي أكثر التمظهرات الفنية والثقافية جدلا، وأكثرها تحريضا على التفكير والسبر والتغيير.

