يالموت لك هيبة تهز السلاطين
ولك حزة ما تدري الناس عنها
لك ضربة تقطع احبال الشرايين
ولك طعنة ماغيرك الي طعنها
لك سطوة بالهند والسند والصين
والغرب وبشام الديار ويمنها
ولك صدمة تفجع قلوب المحبين
ولك خطفة ما ينفع الحرص منها
انت الرجا والعبد مخلوق مسكين
الموت ساعة حق لا بد منها
بهكذا أبيات يرثي الشاعر رشيد الزلامي نفسه! ويشيعها لمثواها الأخير، ويطوي آخر صفحاته ملوحا بالتوديع، ترى هل هي المصادفة أم استكناه الحواس! أم جنون الشعراء، أم هو الإحساس بدنو الأجل! أيا كان هذا أو ذاك، تلك هي فلسفة الموت والحياة، والوجود والعدم، فعلا الموت حق والحياة باطلة، وليس هو النهاية، ولكنه بداية البداية لحياة برزخية لا موت فيها وإنما نعيم مقيم.
وكذلك فعل محمود درويش وهو يرثي نفسه معلنا مخافته من الموت الذي هو أمر حتمي، وجمال التعبير في إحساسه أن جسمه سرير للموت وروحه لحاف، فالموت لا بد منه برغم تشبثنا بالحياة وأملنا في البقاء.
انا لا أُحبُّكَ يا موتُ.. لكنّني لا أخافُكْ
وأدركُ أنَّ سريرَكَ جسمي..
وروحي لحافُكْ
وأدركُ أنّي تضيقُ عليَّ ضفافُكْ
أنا.. لا أُحبُّكَ يا موتُ..
لكنني لا أخافُكْ!
وقديما فعل مالك بن الريب وهو يرثي نفسه عندما أحس بدنو أجله ولحظة مماته، وهذا يقودنا إلى أن هذه الظاهرة موجودة منذ القدم في الشعر العربي.
وبالرمل منّا نسوة لو شَهِدْنَني
بَكينَ وفَدَّين الطبيبَ المُداويا
فمنهنّ أمي وابنتايَ وخالتي
وباكيةٌ أخرى تَهيجُ البواكيا
وما كان عهدُ الرمل عندي وأهلِهِ
ذميماً ولا ودّعتُ بالرمل قالِيا.