كنت الأسبوع الماضي، في مناسبة صغيرة ضمت بعض الأصدقاء، وكعادتنا في معظم مجالسنا، نستعذب حديث الماضي وذكرياته، حتى وإن كانت مؤلمة أو تافهة، لكن استحضارها والتسلي بها، أسهل علينا من التفكير في حلول مشكلات الحاضر، أما المستقبل فلا نفكر فيه أصلا لأننا مؤمنون بالقضاء والقدر، ومن ضمن ذكريات تلك الجلسة جاءت ذكريات الدراسة قبل ثلاثة عقود أو أربعة، وبالصدفة كان اثنان منهم لم يكملا دراستهما الثانوية، بينما أحدهما اليوم من الأثرياء المتميزين، عكسنا نحن الذين حصلنا على الشهادة الجامعية وبعضنا يحمل شهادات أعلى، وسبب عدم إكمالهما الدراسة هو (الضرب) في المدرسة والمنزل، فأحدهما فر من المدرسة والمنزل واختفى بضع سنين، لا أحد يعلم مكانه، وهو الذي أصبح ثريا، والآخر تظاهر بالجنون حتى قال لهم راق في قريتهم لا دواء له إلا الضرب صباحا ومساء حتى يخرج الجني منه، فصارح أمه التي تعاطفت معه، وتأكدت أنه عاقل، فأقنعت والده أن له علاجا عند خاله في الدمام، وأرسلوه إلى هناك، ومن سفرته هذه بدأت قصته مع التعب المرتبطة بفشله في الدراسة، وهنا تذكرت زملاء دراستي في الابتدائية والمعهد العلمي، وكيف أن العقاب القاسي ضربا وتوبيخا وإهانة من بعض المدرسين والمديرين حملهم على الهروب من التعليم، وكراهية المدرسة، وتغير مسار حياتهم، فبعضهم نجح في مجالات أخرى، وبعضهم لا زمته عقدة القسوة وكره الحياة بسبب ضيق ذات اليد وقلة المجالات التي تقبل تشغيلهم بمستوياتهم التعليمية المتواضعة.
في الصف الخامس الابتدائي، طلب منا مدرس الرياضة الحضور عصرا كل يوم لمدة شهر للتدريب على تمارين رياضية استعدادا لحفل نهاية العام الذي تشارك فيه مدارس المنطقة كلها، وكانوا يسمونه (العرض الرياضي) للمراحل الثلاث، وذات يوم تغيب خمسة منا، كنت أحدهم، لأسباب مختلفة، أهمها البرد، إذ كانت الباحة في تلك الأيام تشهد شتاء قارسا يصعب على الكبار احتماله، فما بالك بالأطفال، وفي اليوم الثاني، وبعد طابور الصباح، تكرم مدير المدرسة بعشرين جلدة لكل واحد منا في رجليه (الفلكة) التي كنا نسميها (الإحرام) لأن كل طالب يخلع غترته ويعطيها لاثنين من زملائه فيربطان بها رجليه ويرفعانها عاليا ويبدأ الجلاد يشفي غليله، وبعد هذا الجلد العنيف، أخذ اثنان من الخمسة غترتيهما ودموعهما، وفرا من المدرسة، ولم يعودا لها نهائيا، وأحدهما الآن (رئيس رقباء متقاعد) والآخر (سائق شاحنة)، وفي الصف السادس، طلب منا مدرس الحديث في آخر العام تسميع المقرر (عشرين حديثاً بمعاني كلماتها وشرحها وما يستفاد منها) وكان ذلك تعجيزا ما بعده تعجيز، فنحن أصلا لم نفهم نصف المقرر، وإنما كنا نحفظ آليا، ويوم التسميع أحضر المدرس معه ربطة من عصي نبات (الأركوظ الأخضر)، وحين رأيناها أصابنا الهلع جميعا، ورأينا سائلا كالماء يتسرب من تحت المقاعد، حيث كان أحد الزملاء يبول على نفسه من الخوف، وأثناء التفاتة المدرس (الجلاد) إلى السبورة قام ثلاثة من الزملاء وفتحوا النافذة الخلفية وقفزوا إلى (جناب ابن عزة) بجوار المدرسة، وانشغل المدرس بهم وكل المدرسة ونجا البقية من التسميع والعقاب، وكانت قفزتهم قفزة تاريخية فهي من الدور الثاني إلى الأسفل، لكنها في الواقع فيما بعد كانت إلى الأعلى، فالثلاثة أصبحوا من الناجحين الكبار في حياتهم في أعمال مختلفة، وفي المعهد العلمي بالباحة، وفي سنوات الدراسة الأولى تخلف أربعة من الزملاء عن صلاة الظهر، وفي اليوم الثاني وقبل صلاة الظهر جلد المدير كلا منهم عشرين جلدة في يديه، واثنان منهم أكلا الضرب وغادرا فورا تاركين الكتب والصلاة ولم يعودا، وكلاهما اليوم في السجن أحدهما في قضية مخدرات، والآخر من الفئة الضالة.
أقول كل هذا بمناسبة ما يجري من عرض (يوتيوبي وتلفزيوني) لصور من العقاب البدني للأطفال والمراهقين في بعض المدارس، وهو عقاب تقشعر له الأبدان ويستفز المشاعر الإنسانية، وأقول لوزارة التربية والتعليم إن تعاليم وتعاميم منع الضرب لا تكفي، إذ لا بد من عقوبات قاسية رادعة للمعلمين والمعلمات الذين يفعلون ذلك، ولا بد من توعية مؤثرة تشمل استضافة من حرمتهم قسوة العقاب البدني من التعليم، ولو أعلنت الوزارة عن رغبتها في استضافتهم وسماع تجاربهم لجاؤوها بالآلاف سيما أولئك الذين دفعهم عنف المدرسة إلى الفرار، لكنهم نجحوا بدون شهادات الجلادين.
كل من يضرب زوجته أو أولاده أو الطلاب والطالبات جلاد جاهل، لا بد من توعيته وعقابه، العقاب الذي يكون ضمن منهج التوعية.