لا أكثر هذه الأيام من المؤتمرات والندوات والملتقيات العلمية، وكثيرًا ما تأخذ هذه المناسبات مع علميتها التي من المفترض أن تكون الباعث والأساس طابعًا شكليًّا تسعى من خلاله المؤسسات المنظمة إلى أن تجسد حضورها على الأقل إعلاميًّا، والقليل من هذه الملتقيات الذي يخرج بإجراءات وخطوات وتوصيات يمكن الإفادة منها والعمل بها وتفعيلها.
ومن الملتقيات الناجحة بشهادة حاضريه والمتابعين له ملتقى «دور التعليم والإعلام في تحقيق أمن اللغة العربية» الذي نظمته جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بالتعاون مع مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية الأسبوع الماضي بمقر الجامعة في مدينة الرياض، ومع عدم تخصصية الجامعة في علوم اللغة العربية وآدابها أو عدم وجود قسم علمي معني بالدرس اللغوي بها فقد أعاد الملتقى الذي كُتب له توفيق كبير لمحبي اللغة العربية شيئًا من الأمل في وجود خطوات إجرائية واعية وجادة في هذا الإطار وقدم طرحًا جذابًا ومختلفًا.
وقد خلا الملتقى الذي كانت الصبغة العلمية الرصينة هي سمته وتعددت وتنوعت المشاركات فيه بتعدد أهدافه ومحاوره وحضره كثير من المعنيين باللغة العربية خلا من الخطاب العاطفي الحماسي السجالي المعهود في مثل هذه الملتقيات التي تمس جوانب الدين والهوية الذي يتم من خلاله ترديد القوالب الكلامية المعهودة التي تؤكد أهمية اللغة العربية ودورها بأسلوب إنشائي يصل في النهاية إلى المبالغة في افتراض العدو المتربص بها دون أن يقدم حلولا عملية أو خطوات إجرائية يمكن العمل عليها والانطلاق منها.
كان الخطاب في هذا الملتقى العلمي الجذاب خطابًا علميًّا وجادًّا وواعيًا ومبنيًّا على أسس علمية ومعطيات حقيقية؛ ولذا حضرت الوقائع الفعلية والأرقام والحقائق العلمية، كما تم عرض العديد من التجارب الناجحة في مجال العناية باللغة العربية، ولم يكن الحضور والمشاركون باحثين في مجال اللغة العربية فحسب؛ بل كان منهم المثقف والمبدع والصحفي والمذيع والضابط العسكري المهتم بعلوم اللغة العربية، كما كان لعدد من القانونيين حضورهم ومشاركتهم في جوانب تمس موضوع الملتقى؛ حيث ناقشوا من خلال الملتقى موضوعات متعلقة بهذا الجانب، كدور قوانين اللغة العربية في حماية أمنها، ودور الشريعة والقانون والقضاء في أمن اللغة العربية، كما نوقشت القرارات الرسمية بشأن اللغة العربية، وكانت هناك دراسات حول دور المنظمات العالمية ذات الأهمية في دعم اللغة العربية كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وجهود المؤسسات الأهلية والخاصة في مجال العناية باللغة العربية، وعلاقة اللغة العربية بالإعلام، وتجارب الدول غير العربية في تعليم اللغة العربية، إلى غير ذلك من الجوانب الهامة والحيوية في الوقت نفسه، كما شارك في الملتقى خبراء دوليون ورؤساء لمجامع اللغة العربية وأساتذة في المناهج وطرق التدريس.
إن كثيرًا مما تعانيه اللغة العربية سببه دوران الخطاب المعني بها في فلك الحماس والإنشاء والاتهام بدلا من أن ينطلق في فضاء الابتكار والعمل الجاد والفعلي، إضافة إلى اقتصار الاهتمام بالبحث والدرس اللغوي فترة زمنية طويلة على الباحثين المتخصصين في علومها نظريًّا، مع أن الجميع على اختلاف اتجاهاتهم وتخصصاتهم معنيون بها، وإذا ما نظرنا إلى الجوانب النفعية الحديثة للغة وجدنا أنها تكاملية، ولا تقتصر على المتخصص فيها فقط، ومن هنا فالمهندس والقانوني والخبير في علوم الحاسب الآلي وسواهم لا تكتمل عملية التطوير اللغوي أو المعالجة اللغوية الحديثة إلا بهم.
إن ما تحفل به المكتبات الجامعية من عشرات بل مئات الدراسات والرسائل العلمية هي في الغالب تسير في اتجاه واحد لا يتجاوز التقليد والتكرار، ولذا تبدو فائدتها وانعكاساتها على الواقع محدودة جدًّا؛ لأن للغة حياتها وكينونتها وتطورها.
إن الإيمان بوجود ما يسمى «الحاجات اللغوية» والإيمان بـ «مستويات الأداء اللغوي» هو أمر جوهري في تعلم اللغة العربية وتعليمها، وليس علينا أن نقدمها إلى الجميع أو نطلبها من الجميع بمستوى واحد، كما أن الاقتناع بوجود التطور اللغوي ونمو الاستعمال وتحوله هو واقع يجب أن يعيه كل باحث في شؤون اللغة أو متعاط معها، وتبقى مسؤولية المؤسسات على اختلافها مضاعفة تجاه لغتنا هذا المكون الإنساني الذي يجسد هويتنا وحضارتنا.
جامعة نايف وأمن اللغة العربية
مفلح زابن القحطاني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
