في المقال السابق تحدثت عن التباين بين الخطاب القرآني والخطاب التوراتي والإنجيلي عند تناول خطيئة آدم وزوجه حواء، تلك الخطيئة التي نسبها القرآن لآدم، وحملها ما يسميان بالتوراة والإنجيل لحواء، وذكرت أن الخطاب الوعظي التويتري حذا حذو الأخيرين في إلقاء إثم الخطيئة على حواء التي أغوت آدم وجعلته يأكل التفاحة المنهي عنها ويعصي ربه.
إن التغريدات التويترية ليست نصوصا أدبية ليمكن تناولها نقديا، لكن بالإمكان استخدامها كشواهد خطابية لما ذكرته من تحول الأسطورة التوراتية والإنجيلية إلى نماذج عليا تسكن الثابت العقلي لمتسيد الخطاب الوعظي على تويتر.
ونظرة متأمل لوسم «للعفيفات فقط» أو «الحشمة عبادة» أو «الحشمة اعتزاز» أو «طوبى لتلك العفيفة طوبى» تكشف أن المتصدر للخطاب هو من الجنسين رجال ونساء، لكن المخاطب «حواء» فقط دون «آدم»، كون الحشمة والعفة في رأي المغردين في هذه الوسوم من خصوصيات النساء، واحتشام حواء وعفافها مانع لآدم من الوقوع في الخطيئة، فإن صلحت حواء صلح آدم، وإن غوت حواء غوى آدم.
يقول أحد المغردين أو الراعي الرسمي لوسم «للعفيفات فقط» وغيره من الوسوم المخصصة لوعظ حواء، الأستاذ عبدالله الداوود بعد أن وضع صورة لطفل لقيط وجدوه في صندوق ورقي: «ووالله لن تتلذذ فاجرة بشهوة إلا بإذن الله، استعجلتها بالحرام، ولو تعففت نالتها بالحلال»، ولنتأمل الفعل «تتلذذ» والوصف «فاجرة» والذي يتوجه نحو أم اللقيط «حواء» مع تجاهل للفعل المقابل «يتلذذ» والتفات عن وصف كان الموقف يتطلب وجوده «فاجر»، ففاحشة الزنا فعل لا يتم ولا يتحقق حصوله بحواء دون آدم، وحواء فيه قد تكون فاجرة وقد تكون مظلومة ومرغمة، فقد تكون قاصرا أو خادمة لا حول لها ولا قوة، لكن آدم لا يقدم على فاحشة الزنا إلا وهو «فاجر»، فهذا الفعل لا يمكن إرغامه عليه، ومع هذه البدهيات إلا أن المغرد تجاهل «آدم» وخاطب حواء «الفاجرة»، وهذا يعيدنا لما سبق ذكره مما جاء فيما يسمى بالإنجيل، في رسالة بولص إلى ثيماوس: «وآدم لم يغو، لكن المرأة أغويت فحصلت في التعدي»، حيث تظهر هذه المقولة الإنجيلية كصورة ذهنية بعيدة الغور كامنة في اللاشعور للواعظ.
هذا مجرد مثال أكتفي به حتى لا أطيل على القارئ، وغيره الكثير الكثير من أحاديث وقصص كانت في أصلها لآدم لكن مرتادي وسوم وعظ حواء أسقطوها على حواء وتجاهلوا آدم! ويستطيع القارئ تصفح تلك الوسوم ليجد كيف انتزع الاحتشام والحياء والعفة لتكون من خصوصيات المرأة دون الرجل، هذا إذا علمنا أن الحشمة والستر لم تتميز بهما حواء عن آدم في الجنة، ولم تعاقب وحدها بنزع اللباس حين عصت مع زوجها، بل عوقب آدم وحواء بذات العقوبة، وهي نزع اللباس وإظهار العورة، قال تعالى: «يَابَنِيَ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنّكُمُ الشّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مّنَ الْجَنّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا»( الأعراف: 27)لقد تم الضغط على مجلس الشورى لرفض إقرار قانون التحرش، والذي يرون أنه يجرم الرجل ويضع عقوبات مشددة له في حال تحرشه بالأنثى، وهذا ما لا تقره ثوابتهم العقلية التي لا ترى آدم مجرما بالتحرش بل حواء هي من دعته وأغوته ليتحرش بها، وبهذا المنع نرى إلى أي حد استطاع الموروث بعيد الغور والموغل في القدم والكامن في اللاشعور الجمعي ـ كنماذج علياـ أن يقف عقبة ضد ظهور قانون، وفي توجيه صيغة الخطاب الوعظي وفحواه في مواقع لا يمكن نفي صفة الاجتماعية عنها، أو عزلها عما تواطأ عليه المجتمع في كوامن لاشعوره.
وبعد كل ما سبق من انحياز فطري للواعظ، يتساءل عن تلك الفجوة التي بدأت ككرة الثلج تتدحرج بينه وبين وحواء، ولا يعلم أنه بموروثه البعيد كل البعد عن الخطاب القرآني هو من أحدثها وساهم في تضخمها.